هنا نصغي إلى الموسيقى ونتذكر المنسيين

لم ينكر الرسام العالمي بابلو بيكاسو تأثره بالفنون الأفريقية التي غيرت مساره الفني، كما أن للأفارقة أيضا يدا كبرى في أشهر موسيقات العالم التي كانت هي أصلها كالجاز والبلوز وغيرهما، إذن علينا أن نفكر أكثر من مرة ونحن نستقبل عملا فنيا غربيا أو أيا كان انتماؤه، حيث أن الفنون تثبت مبدأ التفاعل الثقافي والتأثير والتأثر بين الحضارات، بعيدا عن النظرة المغلوطة والمنغلقة والجاهزة للهوية، وهذا ما يثبته مهرجان الحمامات الدولي التونسي في عروضه المتنوعة بشكل لافت.
الجمعة 2017/07/28
من أفريقيا جاء الفن

يدفعنا الآن مهرجان الحمامات الدولي في دورته الثالثة والخمسين إلى عقد محاكمة نحن نقدّم فيها أنفسنا أوّل المتهمين، لقد عشنا نوعا من التجلي/الكشف/ التخمّر الصوفي مع موسيقى الكناوة التي قدّمتها مجموعة “Aywa” المغربيّة، ولكننا لم نتساءل عن مصدرها، وتابعنا بشغف كبير أكثر من عرض موسيقيّ تتوفّر فيه مقوّمات تشغيل “الجاز” و”البلوز” مثل عرض الفنّانة الأميركيّة بيث هارت وغيره، ثم أيضا لم نتساءل عن مصدر نوعيّة تلك الموسيقى.

الجذور والحداثة

لنجلس إذن على “مائدة التفاوض” مثلما ردّد “محمود درويش” ونبحث في تلك الأصول: جمهور يدلي برقصه ما يجعلنا نحاول أن نحفر تحت الجلد بحثا عن “جينات” غائبة في أنهار الدم، ليس من باب العودة إلى “البربريّة” بعبارة الألمانيّ نيتشه أو نحت كيان أصوليّ جديد، ولكن من باب الثراء المعرفيّ الذي يقودنا إلى تأصيل المشترك بين الثقافات، والبحث عن “نواة تتعالق” فيها تجارب الشعوب، بعيدا عن الاستثمار الثقافيّ والنزعة الكولونياليّة التي تقدّم نفسها حارسة العالم عوض أن تمكّكنا في لحظة متابعة تلك العروض من اكتشاف ما له علاقة بتسليط الضوء على كيفيّات ذلك التفاعل بين الأصول وراهن الحداثة وما بعدها.

ماذا نعرف نحن الأفارقة عن جنوب الصحراء وتخومها؟ وبأيّ معنى ننتسب إلى ثقافة غير الثقافة الأفريقية بعد أن شكّتنا رماح السرديات القديمة والحديثة فأصبحنا نتاجا لهويّة أشبه بالخيمياء، بعضها عربيّ وبعضها أمازيغيّ، وغيرهما من الأعراق والمشارب الثقافية والحضارية.

الموسيقى التي تجد اشتغالها الناجح جماهيريا مع فنانين من دول عديدة لا تنتسب في جذورها إلى الغرب وحده

علينا أن نجيب على الأسئلة المطروحة سلفا: ماذا نعرف عن صحراء أفريقيا وثقافتها التي ننتسب إليها جغرافيا وننكرها ثقافيا؟

نشغّل أسئلة الأصول الثقافية من زاوية البحث عن الطابع الموسيقي الأفريقي القديم، وكيف تمّ ترحيله أو كيف كانت هجرته إلى الثقافات الأخرى، ليصدّر إلينا الآن بشكل مغاير وجديد، وينجح في استقطابنا ولفت انتباهنا كجمهور غفير، ونقتصر في هذه الإشكالية على نموذج معيّن من العروضالموسيقيّة كمثال على ذلك.

الأصول الأفريقية

عرفت الموسيقى الأفريقية وخاصة في جنوب الصحراء، خصائص ميّزتها عن باقي الأنماط الموسيقية، كما عرفت بتعدّدها أيضا إذ لا يكاد يوجد مجتمع واحد في إفريقيا دون نمط موسيقيّ يميّزه، وهي موسيقى بالغة التعقيد كما تعسر في أحيان عديدة على الفهم، لأنّها تخرج من أعماق الأدغال، كما أنها تحمل نوعيّة استثنائية من الإيقاعات والأصوات والأنغام. وعلى غرار شعبيتها، تشهد نزوعا إلى ما هو ديني وطقوسي واحتفالي، وعادة ما تكون مصحوبة بالرقص والغناء كما أنّها لا تقتصر على المناسبات والاحتفالات فحسب، كونها سلوكا حياتيا ويوميّا من شأنه تشغيل الحياة البدائية داخل الأدغال الأفريقية.

لم تبق الموسيقى الأفريقية رهينة الجغرافيا، أو سجينة القارة السمراء، أو حكرا على الأفارقة وحدهم، بل شهدت رحيلا فنيا إلى أصقاع العالم، وذلك من خلال تأثيرها على العديد من الأنماط الموسيقية العالمية، لما تحمله من طاقات إبداعية جذبت إليها الفنانين والباحثين.

ويكشف لنا كتاب “الموسيقى الشعبية الأميركية”، لصاحبيه لاري ستار وكريستوفر واترمان، الذي نشرته إحدى دور النشر في “جامعة أكسفورد”، عن الأصول الأولى لموسيقى الراهن الأميركي. فقد كانت هناك شهادة دامغة تقول بأنها ذات جذور أفريقية صِرف، حيث طوّر الموسيقيون في أميركا اللاتينية مجموعة واسعة من الأساليب التي تمزج الموسيقى الأفريقية مع تقاليد أوروبيّة.

لقد وجد المهتمّون بهذه الموسيقى حقولا خصبة في أغاني العبيد الذين تمّ جلبهم إلى أميركا، وهو نفس الأمر الذي تكرّر مع موسيقى كناوة المغربية القادمة مع الزنوج، حتّى أنه في السنوات التي مضت، وهي ليست بعيدة، عمّت الأنماط الموسيقية الأفريقية وانتشرت هناك بشكل واسع، ولاقت رواجا وإقبالا جماهيريا مكثفا، وهي وإن تمّ تطويرها ومحاولة تذويبها بتفعيل حقولها الإبداعية مع أنماط أخرى غربيّة، إلا أنها ظلت حافلة بانتمائها الأول.

طور الموسيقيون في أميركا اللاتينية مجموعة واسعة من الأساليب التي تمزج الموسيقى الأفريقية مع تقاليد أوروبية

حين نتحدث مثلا عن فن الجاز، لا يمكننا إطلاقا أن ننسى أن الزنوج جلبوا معهم تراثهم من أفريقيا واحتفظوا به، كما أنهم كانوا يرددون أغانيهم وهم يعانون قمع الأعمال الشاقة تحت سلطة “الأسياد”، لتمتزج صرخات العذاب بالتعبيرات الروحية والفنية، لقد أوجدوا عددا كبيرا من الآلات النحاسية مثل السكاكين وأواني الطبخ المبعثرة وبعض القطع الحديدية التي تركتها فرق الموسيقى العسكرية بعد الحروب الأهلية، فجمعوها وأخذوا ينفخون فيها، محاولين عزف تلك الألحان المحفوظة، وهكذا بكل عفوية ابتكروا أسس موسيقى الجاز، كما أصبحت الآلات النحاسية هي الآلات الأساسية لعزفها.

ومن خلال ذلك، نشأت فرق الجاز، وشهدت هذه الموسيقى ثورة فنية منذ سنة 1945، حيث شنّ الموسيقيون ثورة ضد الوظيفة التقليدية للموسيقى التي يعزفونها، وهي تحريك أرجل الراقصين، لأنهم كانوا يشعرون بأنهم يقدمون للجماهير فنّا لا يستحق الإصغاء إليه فحسب بل هو شكل مغاير يحاول استنطاق التجربة الإنسانيّة وعمقها الثقافيّ والحضاريّ أيضا.

لم يكن الجاز وحده من أصول أفريقية، فموسيقى البلوز هي الأخرى انحدرت من نفس المكان، وهدفها الأوّل إثارة حالات الشعور بالإحباط والحزن بُغية تقويض العذابات الحياتية للزنوج الأفارقة، الذين ما فتئوا يجعلون من عبوديتهم رهانا يفضي إلى إيجاد وسائل تعبيرية فنية تصدّ عنهم غوائل العنصرية والفقر والإذلال. وهي اليوم تتمتع بجاذبية عالمية، إذ تشهد إقبالا كونيا وإعجابا عالميا، بعد أن صارت مشتركا إنسانيا تقبل عليه جماهير غفيرة من مجتمعات مختلفة ومتنوعة.

التفاعل الثقافي

علينا أن ننتبه الآن ونحن نتابع معظم تلك العروض التي لاقت إقبالا جماهيريّا مكثّفا وحقّقت نجاحا ملفتا، إلى أن تلك الموسيقى التي تجد اشتغالها مع فنانين من دول عديدة لا تنتسب في جذورها إلى الغرب وحده، كما لا تعدّ نوعا من الاستثمار الثقافيّ الذي سعى إليه بُغية طمس تراث الشعوب، وإنّما هي تشكّل ضربا من ضروب خطابات ما بعد الكولونياليّة القائمة على مبدأ الفاعليّة والمفعوليّة بين المسيطر والمسيطر عليه، إذ كلّما أفصح الأوّل عن اتجاهاته ثقافيّا كان للثاني أثر في اتجاهاته تلك.

وكما نقرأ الآن، فإنّ تلك الموسيقى رغم كونها مثّلت طرفا ما بصفته صاحبها ومقدّمها إلا أنّها أدلت بجذورها العميقة العائدة إلى الأصول الأفريقيّة، ولكن أليس علينا -وهذا الأنسب- أن نكفّ عن ادّعاء احتكار الثقافات في سبيل تفاعلها وكونيتها؟

15