"هنا يراق الدم خلسة" ولا تنمو شجرة النسيان

يقول المخرج والممثل الفرنسي جون روشفور "إننا نكتب لأنه ما من أحد يسمع"، لهذا احتاج العديد من الكتاب إلى أن يطلقوا صرخات مدوّية عبر التاريخ أمام التشوه المتفاقم لما هو إنساني، ولكل منهم أسبابه. فهناك من صدّق أن الصرخة تلك يمكنها أن تغير الواقع، وهناك من اكتفى، في نظره، بألا يكون شاهد زور.
السبت 2017/02/04
الكتابة تفضح الدم المختلس (لوحة فنية لسعد سعد يكن)

يخبرنا القاص التونسي وليد بن أحمد بخبر مخصوص مثل عنوان مجموعته القصصيّة الأولى “هنا يراقُ الدّمُ خلسةً”. قد تكون هذه “الهنا” مراوغة لأنها تتمدّد لتشمل أمكنة عديدة أغلبها في البلاد التي تتكلّم لغة الكتاب وبعضها يشمل الشمال البعيد (السويد). وقد تكون إشارة إلى النص الأدبي الذي يستقدم إليه وقائع عينية ويترجمها لغة أو هذه النقطة الزرقاء أيضا، المعلقة في الفضاء والمائلة شيئا فشيئا إلى الحمرة.

إنّه عنوان يتضمّن إخبارا بأمر هو إراقة الدّم موسوما بـ”خلسة”. وكأّن الكاتب يشير إلى ما هو خفي ومستتر، ولكن قطعا لا، لست جادّا في ما أقول، فمن يخفى عليه كلّ هذا الدّم المراق؟ لا أحد دون شكّ. وكلّ ما في الأمر أنّ الجميع يشيّد هذه “الخلسة” بسكوته وتواطئه. ولعلّ الكتابة في بعض جوهرها تواطؤ مضادّ على خلع أقفال هذا السّكوت الفاحش وانتهاكه من خلال الإشارة إلى انحطاط الإنسان قاتلا دون حدود لشتّى الحيواتِ، يافعة كانت أم غير ذلك وفيزيائيّة كانت أم نفسيّة ورمزيّة.

قدح الأسئلة

ثلاث عشرة قصة شكلت متن الكتاب القصصي، الصادر عن دار زينب للنشر والتوزيع، واشتركت في ما بينها في لغة سردية متماسكة تحقق وظيفتها الجمالية وتشد القارئ في انسيابها إلى التقدم أكثر. لكنها تفاوتت من حيث قدرتها على نحت الفرادة والذهاب بالقصة إلى مستوى الإرباك وقدح الأسئلة الرؤيويّة. فبعض القصص إمكانات جيّدة لقصص أخرى مازالت كامنة. ولكي تكون ظاهرة يحتاج صاحبها إلى إعادة الكتابة وتعميق الهندسة على طريقة همنغواي في قصصه القصيرة، ذاك الذي كان يعيد كتابة بعض قصصه سبعا وثلاثين مرّة أو ما يناهز ذلك.

وبعض القصص الأخرى نجحت في خلقِ تميّز وخصوصيّة ضمن المجموعة نفسها وضمن ما يكتب اليوم في المشهد الأدبي العربي، سواء من خلال العمل على استدعاء المكرّس (الكليشيه) والعبث به وتخييب أفق انتظار القارئ في المضيّ على نحو خطّيّ إلى النّهاية أو من خلال خلق حبكة سرديّة ونسيج طريف لم يطّرد الاشتغال عليه من قبل. ويمثّل هذين النّموذجين أساسا لكلّ من قصّة “البوصلة لا تتوق دوما للشمال” وقصّة “مدينة الخشب”. وهما في رأينا قصّتان يمكن لابن أحمد أن يؤسّس استنادا إليهما وتطويرا لتجربتهما مدوّنته الأدبية الخاصة.

مثل العديد من قصص المجموعة التي استقدمت إشكاليات اجتماعية وثقافية في المجتمع التونسي والعربي، تشتغل قصة “البوصلة لا تتوق دوما للشمال” على إشكالية الهجرة غير الشرعية للشباب التونسي إلى إيطاليا (ما يصطلح على تسميته بالدارجة التونسية ‘الحرقة’). الشخصية الرئيسية تجد دلالتها العميقة في اسمها: صابر.

يحلم صابر بـ”عدن موعودة” في إيطاليا. عدن نسجتها الحكايات والمخيلة أكثر من نص الواقع. وهو خلافا للحالمين بعدن الأخرى، يريد أن يغادرها من جديد إذا ما بلغها وأقام فيها. وذلك كي يحيا ولو متأخرا وبعد فوات الأوان، يرحم أهله، ويتزوج الفتاة التي يحبها وينافسه عليها مهاجر آخر.

13 قصة متفاوتة تشترك في كونها استقدمت إشكاليات اجتماعية وثقافية في المجتمع التونسي والعربي

فيما تظلّ لغة القصة المحكمة تستدرجك إلى القراءة، تخمّن “فيمَ أحتاج هذه القصّة؟”. المآسي التي تعرضها ويأسها المزمن خبرتهُ جيّدا إمّا شخصيّا وإما من خلال أخ أو صديق. وليد بن أحمد يؤيّدُ رأيك هذا هو الآخر. ويدفع أكثر باتّجاه ما تعلمه مسبقا وتملّ -إلى حدّ مّا- من إعادة التّعرّف إليه. لكنّه لا يفعل ذلك إلاّ ليربكك فجأة ويضعك أمام ما يتكشّف لك من أسئلة وقلق. إذْ حين ينجو صابر من الغرق في البحر بفضل تمسّكه بالصّخور الناتئة والقاسية، يظهر صوت مفاجئ في مسار الحبكة ويختتم القصّة “اقطع. شقّ صوت المخرج صمت معاناته الرّهيب. ما هذا؟ أين مدير التصوير؟ أين كاتب السيناريو؟ ما هذا بحق السماء؟ لقد اتفقنا على أن يغرق البطل، أن تقطعه الصخور إربا، لا أن ينجوَ/ يغرق صابر، فينجو الفيلم. لا بد أن يعاد هذا المشهد. لن يذهبَ دعم وزارة الثقافة الإيطالية هباء..”.

مدينة الخشب

أما قصّة “مدينة الخشب” فهي الوحيدة في المجموعة التي تدور أحداثها في فضاء أجنبي ثقافيا: مدينة ستوكهولم التي يكنّيها المؤلف وسارده بـ”مدينة الخشب”، نظرا إلى انتشار البناء الخشبيّ في هندستها ومعمارها. بطل القصّة صحافي عربي يرسل للمرة العاشرة لحضور حفل جائزة نوبل.

بعض القصص قامت على استدعاء المكرس (الكليشيه) والعبث به وتخييب أفق انتظار القارئ في سردها الخطي

يأخذنا السّارد في جولة النظر المستهجن للآخر والقتل الرمزي له متبادلا من الجهتين: يتساءلُ هو عن خوف السويديين من نار سيجارته فيما لا يخافون من “النار الخالدة”. وينظر إليه هؤلاء من جهتهم باعتباره “هذا العربيّ مشعل الحرائق ومقوض الحضارات”.

يمتدّ هذا الصّراع إلى حلبة الأدب والقانون على حدّ سواء. إذ يقتاد منصف ماجد الصحافي إلى مركز الشرطة، ليستكمل تكهناته الذاتية عن الجائزة وحظوظ العرب منها في غرفة التحقيق في شكل حوار مع المحقق. يتحول التحقيق إلى ما يشبه حوارا أدبيا ونقديا أرعن وفجا تحكمه النزعة القومية وما يتصل بها من التعالي. فتحدث إشارات ضمنية إلى هاروكي موراكامي، موديانو وأدونيس وغيرهم من خلال جنسياتهم أو عناوين كتبهم.

وأمام ثقة الصحافي العربي بأحقية أدونيس في الحصول على الجائزة “شاعرنا”، يجيبه المحقق “بتهكم مشوب بحزم “ستحجب الجائزة الكبرى هذا العام، فقد وجدنا قنبلة شديدة التفجير مخبأة بعناية في جناح الفرنسي بالفندق”.

ليس هذا جواب الصراع وكلمته الأخيرة. إذ تظل لهذا الجدل واجهته الزجرية السلطوية التي يمارسها المهيمن على المسود. منْ وضع هذه القنبلة غير هذا العربي؟ هكذا يفكر هذا الآخر مانح الجوائز وسلطتها الأدبية والرمزية. “أطبقت الأصفاد الحديدية القوية على معصمي. لكنني شعرت بملمسها البارد يستحيل شريطا حريريا دافئا. فلم أعد أطيق رائحة الخشب”. هكذا تنتهي القصة، بعد وتيرة سرد متسارعة.

15