هندسة الجحيم

الجمعة 2014/06/27

قد يكون من العبث القول بأنّ مهمّة إنقاذ الآخرين من قواقعهم وقيودهم تقع على عاتق الفنّانين والشعراء والأدباء من جهة البحث عن الجمال وتصديره في أعمالهم، وقد ينهض سعيهم بدور مفترض منشود من شأنه هندسة الحياة بما يجعلها لائقة باسمها، وعدم الارتهان لسطوة مهندسي الجحيم من أمراء الحروب وتجّار الشعارات ومتعصّبي الأديان وطغاة الأرض أنّى كانوا يخرّبون.

ربّما يصحّ توصيف دواخل الإنسان بالنعيم والجحيم معاً، ذلك أنّ كلّ امرئ يحمل معه أدوات تجميل الحياة وتقبيحها في الوقت نفسه، وقد يسعى إلى بناء فردوسه الأرضيّ بالمحبّة، أو قد يتورّط في متاهة جحيمه النفسيّ فيلوّن بالأسود كلّ تفاصيل حياته، ويبتعد عن جوهر المحبّة ويغرق في رحلة البغضاء التي تنهشه. وبهذا يكون الإنسان مهندس حياته، يكون الشيطان والملاك في الوقت نفسه.

لا يخفى أنّ العلاقة متعدّية بين شيطانيّة الدواخل وملائكيّتها، وقد يتفوّق الإنسان على الوحوش في عنجهيّته وتغوّله، كما قد يقع شهيد طيبته ومحبّته في بعض المواقع، وبين الحالين ينوس باحثاً عن ذاته، متأرجحاً بين جنّته وجحيمه، وباحثاً عن حقيقة وجوده. وفي الحين الذي يواجه فيه نوازعه وصوره المنعكسة في مرايا الواقع يصادف أشباهاً ومخالفين وغرباء ومقنّعين، ويظلّ باب التخمين مشرعاً على فرص النجاة من براثن مستلبي المحبّة والجمال، ومروّجي الكراهية والثأر.

قد تكون هندسة الجحيم امتياز أعداء الإنسانيّة، لأنّهم يقومون بدور تعميم القباحات، وبثّ الخلافات وتأجيج النزاعات بغية تحويل الحياة إلى مستنقع آسن ينضح بالفساد والدمار والعصبيّات. لكن التاريخ يثبت أنّ أولئك الساعين إلى تعكير صفو الحياة يقعون في براثن أحقادهم على الآخرين، وعلى الرغم من أنّ التاريخ بحدّ ذاته مفعم بالإشكالات المصاحبة للوقائع، إلّا أنّه لا يخفي عورات الطغاة ولا غباءهم في وهمهم بأنّهم قادة التغيير ودعاماته.

يجد المرء نفسه في مهبّ اجتياح التناقضات والمفارقات، في الزمن الذي يفترض أنّ المبتكرات والاختراعات والعلوم باتت فيه مخوّلة لخدمته لا لتقييده وفرض الجبايات عليه. وليس من الإجحاف القول بأنّه حين تعلو الرايات السوداء في بقعة، ويتمّ احتكار الحقيقة المطلقة، والتحدّث باسم الإله وإضفاء القداسة على المَقول، فهذا يعني أنّ سفراء الجحيم، الذين هم أنصار التشدّد والطغيان، أولئك الذين يبرّرون للمجرم إجرامه ووضاعته ويشاركونه الفعل، يجدّون في البحث عن ذرائع لمحاصرة الآخرين ودفعهم إلى تقديم فروض الطاعة لهم، حيث تكون التعمية هي المعيار المعمول به في ركن التبعيّة والولاء، وكلّ ذلك مسبوق بالسيف وملحوقاً به. وحينذاك ينتعش الدمار ويستحيل أن تتهندس الفوضى أو تخلق إلّا الجحيم الذي يحرق الجميع تباعاً.


كاتب من سوريا


15