هنري كويكو الرسّام السياسي الذي ندّد بالمجتمع الاستهلاكي وانحرافاته

هنري كويكو لم يسع في أعماله إلى إثارة الإعجاب فيغري ويفتن، بل كان يبحث عن إحداث الرجّة وحتى الصدمة.
الاثنين 2021/03/01
بورتريه لحبة بطاطا.. نقد لاذع لسطوة الإشهار

حتى منتصف مايو القادم، يواصل متحف الفنون الجميلة بمدينة دُولْ الفرنسية عرض أهم لوحات هنري كويكو، هذا الفنان الذي جمع بين الرسم والكتابة والنضال النقابي ليعبّر عن دفاعه عن الطبيعة ويندّد بمجتمع الاستهلاك وانحرافاته.

هنري كويكو (1929-2017) هو واحد من الرسامين الذين جايلوا كل المدارس الفنية بعد الحرب العالمية الثانية. أخذ الرسم عن أبيه الإسباني بيسانتي كويكو، وبدأ منذ الخمسينات رسم سلسلة مناظر طبيعية ولوحات طبيعة ميتة قام بعرضها لاحقا في صالون الفن الشبابي.

ولكن بدايته المبكرة ليست هي التي تشدّ الانتباه في مسيرته، بل تنامي وعيه السياسي بمجتمع الاستهلاك، مجتمع تهمين عليه رغبة الرخاء، ووفرة المنتوجات، وسيطرة التجارة والإشهار.

من هذه التجربة، استوحى رموزها وضمّنها أعمالا على الورق والقماشة، بفضل تبسيط إيضاحي، وأنساق هندسية، وألوان مسطحة ومتوهجة بشكل يخدش البصر. وكان يستوحي الموتيف في الغالب من الصور الشمسية التي تنشرها الجرائد، ويكبّرها ثم يثبتها بالرسم واللمسة، ويضيف إليها خطوطا ونقاطا وملصقات ليضفي على الصورة متانة وصلابة.

تلك الطريقة في الرسم، التي عرفت وقتها بالرسم النقدي، وجدت مكانها في حركة التصويرية السردية التي تأسّست بداية من عام 1964 في باريس، وكان من وجوهها البارزة هيرفي تيليماك والأيسلندي إرّو. وقد أطلق على السلسلة التي أنجزها في تلك الفترة الممتدة ما بين 1965 و1975 عناوين مثل “غرف الاستحمام” و”ألعاب كهول” و”الرجال الحمر”، ثم “الكلاب” وخاصة كلب الصيد وكلب الحراسة، اللذين احتفى بهما في عدة لوحات، كرمز للتنبه والتفطن لما يحدث في فرنسا من تحولات ينظر إليها بعين الريبة. ذلك أن قوة التنديد لديه تستوي مع البحث عن الحقيقة البصرية، فهو لا يريد أن يثير الإعجاب فيغري ويفتن، بل كان يبحث عن إحداث الرجّة وحتى الصدمة.

في عام 1970، كان من بين مؤسسي تعاونية “مالاسّي” صحبة لوسيان فلوري (1928-2004) وجيرار تيسّوران (1934-2010) وميشيل بارّي (1938-1998) وجان كلود لاتيل (1932-2007)، وكان من بين الذين احتجوا على معرض 72-72 حين أرادت مجموعة من الفنانين في مايو 1972 تنظيم معرض استعادي عن الأعوام الاثني عشر للفن المعاصر بفرنسا، نزولا عند رغبة الرئيس الفرنسي آنذاك جورج بومبيدو.

ألوان مسطحة ومتوهجة تخدش البصر
ألوان مسطحة ومتوهجة تخدش البصر

وحينها قام كويكو ومجموعة “مالاسّي” بعرض لوحة ضخمة عنوانها “المشوي الكبير”، ينتقدون فيها الحياة السياسية بأسلوب ساخر، قبل أن يشفعوا ذلك عام 1974 بـ”إحدى عشرة تنويعة لطوّافة ميدوسا” (وطوافة ميدوسا هي لوحة شهيرة أنجزها الفنان الفرنسي تيودور جيريكو في مطلع القرن التاسع عشر) أرادوها تنديدا بانحراف المجتمع.

ولم تمض ثلاثة أعوام حتّى ساهم في تأسيس نقابة الفنانين التشكيليين، قبل أن يجد في التدريس بجامعتي باريس 8 والسوربون ومدرسة الفنون الجميلة وفي جمعية “الشعب والثقافة” فضاء لتمرير خطابه. وكان لا يكتفي بالخطب والمحاضرات، بل يكتب وينشر مقالات نقدية حادة ضدّ السلطة، وضد فناني السلطة.

وفي عام 1988 نشر مع ناقد الفن بيير غوديبير كتابا بعنوان “حلبة الفن” يسخر فيها من المقاربة الأكاديمية للتقليلية والتصوّرية في المؤسسات التي رأت النور بعد وصول فرنسوا ميتران إلى السلطة، أي عام 1981.

ولا يعني ذلك أنه انقطع عن الرسم، بل كان يزاوج بين الكتابة والرسم ويرى أنهما يكمّلان بعضهما بعضا، وهو ما نلمسه في كتبه “يوميات حبة بطاطا” و”كيف تسمن دون أن تحرم نفسك” و”جرد أذيال الكرز” و”حوار مع بستانيَّ”. فقد كان يدوّن مواقفه السياسية ورؤيته الفنية إلى جانب نشاطه النقابي والجمعياتي، ثم يتولى نشرها كما هو الشأن مع “الأعشاب/ المناظر الطبيعية”.

كما أسّس جمعية “بلدة/ منظر طبيعي في أوزيرش”، مسقط رأسه، غايتها جمع ومقارنة معارف كل الذين لهم اتصال بالطبيعة، كالفلاحين والعلماء وحتى عامة الناس والفنانين. فقد ظل منذ ذلك التاريخ وفيا للطبيعة، سواء في كتاباته مثل “أراض أفريقية” أو رسومه “مئة وخمسون بورتريه لحبة بطاطا”، تجلى ذلك في معرض أقامه عام 2005 تحت عنوان “حروق كاسرات الحجر”، عن القيظ وآثاره على الطبيعة والحيوان الإنسان.

 كويكو يعبر عن أفكاره بمنتهى الحرية
 كويكو يعبر عن أفكاره بمنتهى الحرية

قبلها كان قد عاد إلى ثيمة “الكلاب” وأضاف إليها ثيمة جديدة هي الثعابين، وخصّصها لمراجعة فنية لأعمال بعض الفنانين الفرنسيين الكلاسيكيين، وأبدع من خلالها تنويعات جديدة عرضها عام 1997 في مركز الفن المعاصر بميماك في محافظة كورّيز.

كلّ تلك الأنشطة ساهمت في تسجيل حضوره بشكل بارز، ولكن ما ساهم في التعريف به على نطاق أوسع هي مساهمته في برنامج على إذاعة فرنسا الثقافية منذ انطلاقه عام 1984، وكان يجد فيه مجالا للتعبير عن أفكاره بمنتهى الحرية.

وتوخّى المعرض المقام حاليا بمتحف الفنون الجميلة بمدينة “دُولْ” الفرنسية مسارا كرونولوجيا، يكتشف فيه الزائر عناية كويكو بأشياء الحياة اليومية: علبة سجائر، كعب حذاء حريمي، مشبك شعر، وصلة كهربائية، وخاصة حبة البطاطا في نحو خمسين بورتريه، حيث تبدو طازجة أو ذاوية، مهملة أو مبجلة، صقيلة أو متبرعمة.. واختيار كويكو حبة البطاطا في أوجهها المختلفة ليس اعتباطيا، لأنها في تصوّره رمز لعالم العمال والمزارعين، حيث كان يقول “إن صمت البطاطا الحادّ ينتهك لا مبالاة الفنان، ويدفعها إلى اتخاذ موقف”.

16