هنري كيسنجر: العالم يعيش حالة من اللانظام

السبت 2014/12/06
الدول التي تتفكك وتنهار سلطتها تصبح ساحة للتنافس

لندن- يقدّم وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في كتابه الجديد “النظام العالمي” تأملاته وقراءته لمسار تاريخ النظام العالمي، وما سيؤول إليه الوضع في ظلّ تنامي الفوضى وانعدام الاستقرار وتداخل العلاقات الدولية.

وتحدّث كيسنجر عن وضع عالمي جديد سيظهر نتيجة انهيار بعض الدول التي لم تعد قادرة على فرض هيبتها على أراضيها وظهور قوى جديدة في مكان سلطتها ومناطق سيادتها.

قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، واصفا الوضع العالمي على إثر وقوع أحداث 11 سبتمبر: “إن لم تستطع سماع طبول الحرب فأنت أصمّ”،وذلك في حوار صحفي يعود تاريخه إلى 27 - 11 - 2011.

اليوم، يبدو صدى هذه الطبول يدوي في مختلف زوايا العالم حيث تنتشر الأزمات في كل مكان: الصراع الروسي الأوكراني، التطرّف والفوضى في العراق وسوريا وتداعيات ذلك على كامل منطقة الشرق الأوسط، إرهاب وأوبئة قاتلة في أفريقيا وتوترات في شرق وجنوب بحر الصين واقتصاد عالمي لازال عاجزا عن الوصول إلى مرحلة نمو كافية.

وفي ظلّ الوضع العالمي الحالي الذي هو عبارة عن خليط متعدد الأقطاب من الدول الوطنية والمناطق والثقافات وفاعلين أشباح غير حكوميين، كيف يمكن بناء نظام دولي مشترك في عالم مليء بوجهات النظر المتباينة، والصراعات العنيفة، والتكنولوجيا المتكاثرة والتطرف الأيديولوجي؟


صراع الحضارات حقيقة أم خيال؟

الكتاب يضم تأملات وقراءة لمسار تاريخ النظام العالمي


على غرار تصريحات كيسنجر ومؤلّفاته العديدة الأخرى، رافق ظهور كتاب “النظام العالمي” جدل كبير، وإن كان في مجمله يقدّم تحليلا واقعيا وقراءة رصينة للوضع العالمي الراهن الذي تتشابك فيه الصراعات والأزمات من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ، وتتعارض فيه مصالح القوى الدولية وتتلاقى في كثير من زواياها ومؤامراتها.

من خلال هذه القراءة يؤكّد رئيس الدبلوماسية الأميركية، في عهدي الرئيسين نيكسون وفورد، انتماءه إلى المدرسة “الواقعية” التي يعدّ أحد روادها الكبار، وفيها قدّم أطروحته عن توازن القوى التي تفنّد نظريّتي صراع الحضارات ونهاية العالم، وتلخّص حال النظام العالمي الحالي، مؤكّدا للذين يتهمونه بالتركيز على الواقعية على حساب كل الاعتبارات الأخرى، أنّ “المثاليّين لا يحتكرون القيم الأخلاقية، أما الواقعيون فيجب عليهم أن يدركوا أنّ المثل هي أيضا جزء من الواقع”.

وفي سياق متّصل، يربط كيسنجر في كتابه “النظام العالمي” أحداث الماضي والحاضر بالأحداث المستقبلية. ويرسم شكل العالم على مدى الألفي سنة الماضية أو أكثر مع تأملات حول اتجاه الأمور في السنوات الخمسين القادمة. ويتناول بالدرس جزءا كبيرا من العالم يغطي الهند وأوروبا والصين والشرق الأوسط.

وعلى امتداد هذه الرقعة من العالم توجد أربعة نماذج من “النظام”، وهي؛ النموذج الوستفالي الأوروبي للدول الوطنية ذات المكانة المتساوية، والنموذج الأميركي، ونظرة الصين لنفسها على أنها قوة إقليمية عظمى، ونظام إسلامي يعتمد على تقسيم العالم إلى مؤمنين وكفار.

ولا يمكن لهذه العوالم المتوازية أن تجد أرضية مشتركة إلا إذا أنشأت “ثقافة ومفهوما جديدين للنظام على نطاق عالمي”. وقد يبدو هذا التقسيم شبيها بنظرية صاموئيل هانتينغتون حول صراع الحضارات، لكنه في الحقيقة أشبه بمزيج بين براغماتية مترنيشيان ونقد ادوارد سعيد للاستشراق”، وفق رانا ميلتر، الكاتبة بصحيفة “الغرديان”.

بهذا المعنى، تقول رانا ميلتر، نحن بصدد كتاب مخالف لنظرية هانتينغتون فهو يعترف بالحاجة إلى التعامل مع الحضارات بدل التأكيد على حتمية التصادم.

الوضع في الشرق الأوسط شبيه بالحروب الدينية التي شهدتها أوروبا في القرن الـ17 ولكنها أكثر اتساعا

كما يبتعد عن أطروحة فرانسيس فوكوياما الشهيرة القائلة بنهاية التاريخ عبر المحاججة بقوة بأن التاريخ والهوية يكتسبان أهمية محورية في نظرة المجتمعات لنفسها في الزمن الحاضر.


كيف يرى كيسنجر الشرق الأوسط؟


في تحليله للوضع في منطقة الشرق الأوسط كتب هينري كيسنجر مشبّها الوضع في المنطقة بالحروب الدينية التي شهدتها أوروبا في القرن الـ17 ولكنها أكثر اتساعا. وسبب ذلك أن النزاعات الداخلية والدولية تقوّي بعضها البعض، وتتغذّى من الصراعات السياسية والطائفية والعشائرية والإقليمية والأيديولجية والمصالح القومية التي يختلط بعضها البعض.

والمتابع لما يجري في الشرق الأوسط سيلاحظ أن الدين عاد “ليحمل السلاح” في خدمة الأهداف السياسية، على حد وصف كيسنجر، الذي يشير إلى أن الدول التي تتفكّك وتنهار سلطتها تصبح ساحة للتنافس بين القوى المحيطة، وهذا هو حال كثير من دول الشرق الأوسط اليوم.

أوباما يعين أشتون كارتر وزيرا للدفاع
واشنطن- عين الرئيس الأميركي باراك أوباما المسؤول السابق في وزارة الدفاع (البنتاغون) أشتون كارتر وزيرا للدفاع وقال إن كارتر "يقدم للمنصب مزيجا فريدا من الرؤية الاستراتيجية والمعرفة الفنية". وفي حفل محدود قال كارتر لأوباما إنه إذا أقر مجلس الشيوخ تعيينه "أتعهد لكم بتقديم نصيحتي الاستراتيجية.

والمنطقة بأكملها تشهد صراعا دينيا وسياسيا وجغرافيا، في آن واحد، فالكتلة السنية، المكونة من السعودية وإلى حد ما مصر وتركيا، تواجه كتلة تقودها إيران التي تدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا وعددا من الجماعات الشيعية العراقية.

وفي عصر الإرهاب الانتحاري وانتشار أسلحة الدمار الشامل، يجب النظر إلى النزاع الطائفي الإقليمي على أنه تهديد للاستقرار العالمي، وأن عدم تحقيق ذلك الاستقرار يهدد مناطق شاسعة بالفوضى وبانتشار التطرف في مناطق أخرى، وحتى من ساعد القوى المتطرّفة لأي سبب من الأسباب، فهو ليس بمأمن من خطرها.

يتوقّف كيسنجر في أحد فصول كتابه عند الحركات الإسلامية وتاريخ جماعة الإخوان المسلمين، منذ أن أنشأها حسن البنا، سنة 1928 وصولا إلى سيد قطب الذي أعلن الحرب على النظام العالمي في عام 1964، وكيف تحوّلت نظرة الإخوان من البحث عن حكم عالمي بديل يقوم على النموذج الإسلامي إلى أيديولوجيا داعية إلى ضرب العالم والتطرّف.

وشكَّل هذا الفكر، وفق كيسنجر، منعطفا في تاريخ الحركات الإسلامية الجهادية والمتطرّفة في الشرق الأوسط، والتي عبرَّت عنها حركات وتنظيمات مثل تنظيم القاعدة وحركة طالبان وحزب التحرير وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، وجماعة بوكو حرام، بل وأيضا الثورة الإسلامية الإيرانية وحزب الله.

وفي هذا الفكر لا يمكن للدولة الحديثة أن تكون الوحدة الأساسية في النظام العالمي لأنها كافرة وعلمانية وغير شرعية، ولا مكان فيه أيضا لمبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين.

وفي نقده لمشروع بوش في العراق يستعمل كيسنجر أطروحة “الثقافة المتأقلمة”، ويشير إلى أنه كان في البداية داعما للغزو سنة 2003 لكنه يعبّر عن الريبة في قيمة نظرة بوش.


هل التدخل أحادي الجانب ملائم؟


الولايات المتحدة عاجزة عن الزعامة لكنها عامل لا غنى عنه لتحقيق السلم والدبلوماسية. ولتفادي الانزلاقات يقترح هنري كسيسنجر أن يطرح بلده بالتبني السؤال التالي أولا: هل التدخل أحادي الجانب أم متعدد الأطراف؟ أو هل يجدر بالولايات المتحدة أن تنسحب؟ وفي إجابته على هذا التساؤل يرى كيسنجر أن الائتلاف الدولي لتدمير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا أمر مناسب نظرا لخطورة هذا التنظيم على المنطقة وخارجها. لكنه لا يفضل أن يقتصر التدخل على الضربات الجوية بل يجب استخدام وحدات عسكرية تتحرك بسرعة على الأرض.

بيد أن تدمير داعش لن يغير من حقيقة أن المنطقة تتخبط في ما يشبه “حرب الثلاثين سنة” بين المجموعات الاثنية والأيديولوجية والدينية. وعلى نحو مماثل يجب على الغرب أن يكون حذرا في منطقة أوراسيا في ما يخص الوضع الأوكراني والروسي. “نحن نقول إن أوكرانيا دولة، لكن بالنسبة إلى روسيا، أوكرانيا هي جزء من التاريخ الروسي. كل طرف يتصرف بعقلانية لكنهما يصعدان من التزامهما لتصل إلى أزمة لا تتناسب مع حجم الخلاف”.

هنري كيسنجر، البالغ اليوم من العمر 91 عاما، يعدّ المهندس الأساسي لنظام عالمي بقي مستقرا لمدة ربع قرن أو أكثر حتى فترة ما بعد الحرب الباردة. وهذا الكتاب هو شاهد على نظام عالمي في المدى الطويل وأيضا هو تذكير للأجيال القادمة بأنّ إدارة نصف القرن القادم لن تكون أسهل من نصف القرن الذي ولّى.

7