هنري ميللر الذي سقط في جحيم آرثر رامبو

الأربعاء 2015/01/28
ميللر يحاول أن يحاكي حياة رامبو والويلات التي أرسل نفسه إليها

لا يوجد في تاريخ الأدب من هو أكثر جاذبية وإثارة للجدل من الفرنسي آرثر رامبو، يبدو هذا التعميم مبالغا فيه، إلا أن المراهق الفرنسي كان في عمر الثامنة عشرة حين ختم سيرته الشعريّة لتغيّر نصوصه تاريخ الشعر وتصنف على أساسها الحداثة الشعرية، هو من القلائل الذين ارتقوا من مرحلة “الشاعر” إلى “الرّائي” (le voyant)، فالرائي يقتحم العالم ويرفض كل ما هو قائم به، هذه التجربة الغنيّة أغوت الكاتب الأميركي هنري ميللر لتأليف كتاب بعنوان “رامبو وزمن القتلة”.

يتحدّث كتاب “زمن القتلة” لهنري ميللر عن رامبو، وعن تجربته الشخصية في قراءة هذا الشاعر، إذ يحاول ميللر أن يقاطع سيرته الشخصية وتنقله بين نيويورك وفرنسا مع سيرة اللعين رامبو، ورحلته من فرنسا نحو الشرق، مرورا بالحبشة واليمن وصولا إلى الهند.

شكلت قراءة آرثر رامبو هاجسا وخوفا لهنري ميللر، فمن الصعب التعرف على حياة هكذا شاعر دون الشعور بأن كل محاولات الكتابة التي نقوم بها لا توازي بيتا شعريا من تأليفه، إذ بقي ميللر لفترة طويلة يتحاشى قراءته، لأن الغوص في “فصل في الجحيم” يعدّ تجربة هامة لكل كاتب، إذ تتكشف له إثرها عوالم “الرائي”، ليبدأ بعدها الكاتب- الشاعر محاولات اكتشاف لغته الخاصة، والتحرر من كل القيود الاجتماعية والدينية في سبيل الحرية المطلقة. فرامبو من الشعراء القلائل الذين عاشوا الشعر وكتبوه، هو ليس ملهما بشعره فقط، بل بسيرة حياته، إذ عاش حياة العبيد ورفض الانتماء إلى الحضارة التي رآها ستغتاله روحا وجسدا.

تقاطع جحيمين

جنازة رامبو كانت مبتذلة، لم يكن يسير فيها سوى أمه وأخته دون أية جلبة، دفناه وتخلصا من جثمانه بسرعة

إثر قراءته لرامبو نرى ميللر يحاول أن يخلط حياته والجحيم الذي عاشه مع حياة رامبو والويلات التي أرسل نفسه إليها، فميللر يذكر تشرّده في شوارع نيويورك، ومعاناته في البحث عن عمل، وحالة اللاجدوى التي وصل إليها، وتحوّله إلى شخصية مرفوضة ذات الكثير من الأخطاء والعيوب، إلا أنه مازال محبوبا، وكأن الناس تغفر لأولئك الكتّاب أصحاب الخطايا.

هذا ما وجده هنري ميللر في سيرة آرثر رامبو الذي كان غارقا في كل الخطايا، إذ عمل ذات مرّة حمّالا، وعاش حياته إلى الأقصى سعيا وراء رغباته دون أيّ اعتبار لأحد، إذ كان همّه جمع النقود لتأمين حياة شريفة لنفسه، يتفرّغ بعدها لتجربته الشعرية، إلا أن جحيمه وسعيــه هذا أودى به في النهـــاية إلى حيث قطعت قدمه، وعاد إثر ذلك إلى فرنسا.

يوضح رامبو رأيه في الكتابة وفي الشعر، وذلك عبر رسالة بجزأين إلى أستاذه في فرنسا بول ديمني، كتبها عام 1871 بعنوان “رسالة الرائي - les lettres du voyant”، يطرح فيها رامبو رأيه في الشعر والحداثة، وفي ما يتوجب على الشاعر أن يكونه، هذه الرسالة يعتبرها النقاد دستور الحداثة الشعرية، فيها يتحدث عن التجارب الشعرية المختلفة لمن سبقه من الشعراء، وينادي بالتأسيس لصوت شعري يتجاوز كل ما سبق.

لا يشير ميللر إلى رسالة الرائي بوضوح، بل يعقد مقارنات بين رامبو وأولئك المعذبين أمثاله كديستويفسكي وفان كوخ ولوتريامون، هنا تكمن المفارقة فنتاج رامبو الأساسي الذي يثير رعب الكاتب والقارئ على حدّ سواء، لا يمكن مقارنته بنتاج ميللر الذي برغم أهميته النسبية لا يعادل ما وصلت إليه عبقرية رامبو.

سيرة رامبو ورحلته من فرنسا نحو الشرق

لا يمكن إنكار أن محاولة ميللر هذه لا تخلو من السذاجة، ففصل في الجحيم لرامبو لا يمكن أن يقارن بثلاثية الصليب الوردي التي ألفها ميللر، بالرغم من كل محاولات هذا الأخير لكسر التابوهات في هذه الثلاثية والحياة على الهامش ورفض كل القيم، إلا أنها لا ترقى إلى جهود رامبو في التأسيس لحريته، فهذا الأخير عاش في عدن، “المدينة القائمة على فوهة بركان”، لا باريس التي كان يقيم فيها ميللر والذي يشير إلى الهول الذي يتمتع به رامبو إذ يقول “هل أثار فنان كلمات، في السنوات الأخيرة، العالم كما فعل هتلر.. هل صدمت قصيدة العالم، مثلما القنبلة الذريّة” يبدو أن رامبو هو الوحيد الذي يمتلك هذا الامتياز الذي لم ينله أحد من قبل.


عقدة الأم


يتناول ميللر في قراءته لرامبو عقدة الأم التي كان مصابا بها رامبو، فرغم كل محاولاته للتحرر من كل شيء إلا أن صلاته مع أمه لم تنقطع، فهي حاضرة دائما ويذكرها في مراسلاته، وكأن محاولات رامبو للتحرر قد تنجح إلا مما هو بيولوجي، فالأم وحضورها بوصفها الرحم الذي خرج منه الشاعر تتحوّل إلى هاجس يقلق راحة رامبو في سعيه نحو الكمال المضادّ.

نهاية رامبو مأساوية، فبعد رحلاته الطويلة أصيبت قدمه بالتهاب وتمّ نقله إلى مرسيليا حيث قطعت هناك، وعاش بعدها إلى حدّ موته في منزل أخته وأمه، وكأن كل محاولات رامبو للفرار من فرنسا ومن حضورها انهارت أمام العطب الجسدي الذي أصابه، ففي نهاية حياته حاد رامبو عن كل ما كان يناضل ضدّه، حتى جنازته كانت أكثر من مبتذلة، لم يكن يسير فيها سوى أمّه وأخته، دون أيّة جلبة، دفناه وتخلصا من جثمانه بسرعة، وكأنه لعنة قد انفكت عنهما.

إلا أنه تحوّل بعد ذلك وعلى مرّ التاريخ إلى أيقونة للشعر المعاصر، الأعمال العربية التي تناولت رامبو كثيرة، لكن أشهرها ترجمة سعدي يوسف لكتاب ميللر “رامبو وزمن القتلة” الصادرة عن “دار التكوين”، كذلك الآثار الشعرية لآرثر رامبو التي ترجمها وجمعها وعقب عليها كاظم جهاد، والصادرة عن “دار الجمل” و”آفاق للنشر والتوزيع”.

ويعتبر جهد كاظم جهاد من أهمّ الأعمال التي تناولت نتاج رامبو باللغة العربية، وقد قدّم لها الشاعر اللبناني عباس بيضون إلى جانب آلان بورير وآلان جوفروا.
14