هنري ميللر يلعن الجميع ويطالبهم بالخروج من حياته

مشاعر ميللر تملي تفكيره إلى حد كبير، وحين يعبّر عن الأمر بالكتابة يحاول عادة أن يتحاشى كونه متفائلا أو متشائما.
الخميس 2019/05/09
هنري ميللر كان مدمناً على مشاهدة الأفلام

من عرف هنري ميللر في كتبه أو في شخصه أو من خلال الصور الجريئة التي التقطت له، يعرف أنه بصدد كاتب من نوع خاص، مبدع مجنون، لا حدود لطاقته، ولا حواجز أمام انفلاته وتحرره باتجاه وعي مغاير ونص مغاير عما هو سائد. 

في جلسات جمعته بالكاتب ومؤرخ الفنون برادلي سميث، على مدى 18 شهرا، كشف الروائي والكاتب الأميركي هنري ميللر عن جوانب مثيرة في حياته دونها سميث، ثم حررها وأضاف لها بعض الأجزاء من الفيلم الوثائقي “أوديسة هنري ميللر”، ونشرها في كتاب عنوانه “هنري ميللر يروي”.

يقول سميث في تقديمه للكتاب، الذي صدر مؤخرا عن دار أزمنة في عمّان، “إن الساعات التي قضيتها مع ميللر، وهو يروي قصة حياته، كانت ممتعة. إن له طريقة لطيفة فـي التشكي بين حين وآخر، من مئات ساعات العمل، وغالبا ما كان يسأل عما إذا كنا سنظل هكذا بلا انتهاء. وحين سألته أن يكتب مقدمة لهذا الكتاب، كان رد فعله الأول أن المقدمات أمور بغيضة، مقرفة، ومضيعة للوقت”.

التفكير بالمشاعر

وزع سميث سيرة ميللر في سبعة محاور هي “الآن، الكتابة، بيغ سور، الرسم، باريس، الطفولة، وتاريخ زمنيّ”. وبما أنه بدأ بالمرحلة الأخيرة من حياته، فقد وقف على الطريقة التي يقضي بها أوقاته. وهي ليست دائما الطريقة المفضلة لديه، ذلك لأنه ما زال ذا ضمير، وهو ما يأسف له!

إنه رجل يلاحظ التزاماته وواجباته، وهي الأشياء التي كان يناضل من أجلها معظم حياته، لكنه يلعن كل شيء، جميع معارفه، مطالبا إياهم بأن يخرجوا من حياته. ويعترف بأن ما يشعر به، وقد عبّرت عنه مرارا، ألا يفعل شيئا إطلاقا قدر الإمكان، “إنني خامل في الغالب، لكنه، بالطبع، ليس الخمول بالمعنى الاعتيادي، إنه بالنسبة لي اللانشاط، ومجانبة ما يراه الناس هاما”.

رغم اعتقاد ميللر بأن عصر الطباعة والقراءة زائل لا محالة، ومستبدل بشيء آخر، فإنه، يجد صعوبة في تصور البديل

يؤكد ميللر أنه يقدّر النساء، فهنّ يضفين شيئا على الجو، ويجعلن الحياة أكثر متعة. ويفضّل، دوما، أن تكون النساء حوله، لا الرجال، لكنه صديق طيب، وحياته مليئة بالأصدقاء، إلا أنهم عرقلوا تقدمه أكثر مما ساعدوه، فهم الذين يقفون في طريقه أكثر من أعدائه، ويأخذون الكثير من وقته، رغم أنه مدين لهم بأشياء كثيرة.

كما يعترف ميللر بأنه امرؤ يقع في الحب، باستمرار، ويقول الناس إنه رومانتيكي لا يرجى شفاؤه، لكنه ممتن للقوى التي جعلته هكذا، فقد جلب له الحب الحزن والفرح، ولا يريده بطريقة غير هذه “الناس يعملون أفضل، ويبدعون أفضل حين يحبون”. وتراوده كثيرا فكرة أنه قد يكون شخصية مقسّمة، وأن خطَّي القلب والرأس لديه يمتدان معا، والمفترض أن هذا غير طبيعي.

لكن ماذا يعني ذلك؟ لا يدري. لقد ظن أولا أنه يعني صراعا، مثل التفكير والشعور، فالحياة ملهاة لمن يفكر برأسه، ومأساة لمن يفكر بمشاعره، أو يعمل عبر مشاعره. ويعتقد بأن فيه الكثير من هذا. وغالبا ما يرى أمامه سبيلين، فمشاعره هي التي تملي تفكيره إلى حد كبير. وحين يعبّر عن الأمر بالكتابة يحاول عادة أن يتحاشى كونه متفائلا أو متشائما. إنه يريد أن يؤمن بأن ثمة شيئا أبعد من الأضداد، وهو ما يشكّل وجهة النظر الحقيقية.

غالبا ما كان يجد ميللر، حين يكتب، صعوبة في البداية. لكنه يبدأ بأي شيء يرِد إلى ذهنه، وهو هراء محض عادة، حسب رأيه. وبعد صفحة أو اثنتين يجد نفسه في المسار “لا يهم من أين تبدأ، ستجد نفسك دائما تعود إلى ما ابتدأت منه… إلى نفسك، وإلى ما يتسلط عليك”. ويضرب مثلا بسلفادور دالي الذي تحدّث عن المس المتسلط في الفنان، كما لو أنه أراد أن يقول إن الفنان لا يكون جيدا حقا إلاّ إذا عانى المسّ والتسلط.

ميللر مدمن فيلم ومدمن كتاب أيضا
ميللر مدمن فيلم ومدمن كتاب أيضا 

أما عن دوستويفسكي فيقول إنه كان ممسوسا بالتأكيد. وكلا الرجلين مثال للشخص الواقع في قبضة شيء أكبر منه. ويرى أن مبدعين آخرين، يصفهم بأنهم مصقولون، حاولوا تجنب ذلك، مثل تولستوي وديكنز. ويستشهد ببودلير أيضا، القائل “كن سكران دوما”، موضحا أنه لم يكن يقصد السكر بمعناه الفظّ، بل أرد أن يقول “كن دائما مفعما بالنشوة الإلهية!”، رغم أنه كان متمردا بصق على المجتمع، وكانت سمعته أكثر سوءا من إدغار ألن بو.

الكتب والأفلام

يكشف ميللر أنه مدمن فيلما ومدمن كتابا أيضا، لكنهما ليسا سواء في التأثير، فالفيلم يرضي عنده شيئا لا يرضيه الكتاب. ويظن “أن أحد الفروق الكبيرة بين الاثنين، أن الفيلم لا يظل معك، كما يظل الكتاب. الكتاب لحم حقيقي وجوهر، وأنت تعيش معه، وتغتذي به.

أما الفيلم، إنْ كان جيدا، فيمنحك لحظات مدهشة، ثم يضمحل. أكيد، قد تستعيد أشياء معينة، لكنها لا تبقى معك أياما، حتى أفضل الأفلام، بينما لا تستطيع أن تنفض الكتاب عنك. أنت تحياه، مرارا، أياما وأسابيع، ثم يعود إليك ثانية وثالثة. وسيخلِّف أثرا ثابتا فيك إن كان جيدا”.

والأفلام ليست هكذا لديه، لكنه يلاحظ فيها أن بعض الشخصيات تستقر في مؤخرة الرأس، ويمكن إعادتها إلى الحياة مرارا. أما في الكتاب فإن القارئ لا يعرف، أبدا، كيف تبدو شخصية معينة، وعليه أن يتخيلها.

إن الانطباع الذي تخلّفه الصور المتحركة، انطباع قوي جدا، وهو أكثر إرضاء من المسرح. ليست القصة هي التي تجتذبه، فثمة اللون والحركة والحدث، وهناك نماذج من البشر يتبينها، شديدة القرب منه. بعضهم جذاب، وبعضهم مفزع، لكنهم يظلون في الذاكرة.

فالمشاهد يراقب بشرا أحياء، يغدون أكثر واقعية، وأكثر قربا إليه، بطريقة أو بأخرى، من شخصيات الكتاب. يستطيع أن يستعيد أفلاما شاهدها قبل ثلاثين أو أربعين عاما، ويتذكر بعض الأشخاص فيها، ويستدعيهم للذهن والعين. “شخصيات الكتاب لا أستطيع أن أتصورها، حقيقة. إنها تخلق نوعا من الانطباع، لكنه باهت غامض”.

ورغم اعتقاد ميللر بأن عصر الطباعة والقراءة زائل لا محالة، ومستبدل بشيء آخر، فإنه، بوصفه كاتبا والكلمات تعني لديه الكثير، يجد صعوبة في تصور ماذا يمكن أن يكون عليه البديل، ففي الكتب يحصل المرء على شيء لا يمكن أن يهبه الفيلم أبدا: الروابط التي تعقدها الكلمات، الأفكار التي تسألك أن تطورها، وما إلى ذلك. وهذه الأشياء لا يمكن أن يعبّر عنها الفيلم.

14