هنري وزيدان.. وفارس الإمارة

الأحد 2017/02/26

خلّد التاريخ ذكريات مجيدة في مسيرة موناكو، ذلك النادي الفرنسي الذي تمكن في نهاية القرن الماضي من تحقيق نتائج رائعة، إذ تربّع على عرش الدوري المحلي وكان بحق فريقا مهابا قويا ولا يبالي بالفرق الأخرى.

موناكو دوّن بلا شك تلك النجاحات اللافتة، والسبب في ذلك، ربما ببساطة، لأنه كان يملك "ماكينة أهداف" لا تهدأ ولا تملّ، كان الفريق آنذاك يضم في صفوفه الهداف التاريخي في الكرة الإسبانية تيري هنري ومعه أيضا ديفيد تريزيغيه الذي شكّل مع مواطنه قوة هجومية ضاربة أسعدت فريق الإمارة، وطارت به نحو السماء.

في تلك الفترة كان من الصعب الصمود أمام إغراءات الأندية القوية في أوروبا، وكان من البديهي أن يغادر هنري نحو فضاء أرحب، ورحل أيضا تريزيغيه تاركين موناكو يكابد ويكافح كي ينجب لاعبين موهوبين قلّ وندر أن يجود بهما الزمان في هذا النادي.

مرّت السنوات وتغيرت الأوضاع، تسابقت المواسم وتسارعت خطواتها، والفريق مازال يحلم بأن يأتي اليوم الذي يجيئه بلاعب فذ وموهوب يكون بمقدوره استحضار عبق الماضي.

عام يتلو الآخر، حوالي عشرين سنة مرت، ثم حان الوقت ودقت الساعة، هي ساعة استحضار تلك الذكريات الطيبة التي كان خلالها هنري يصول ويجول ويبدع ويسجل الأهداف، فاليوم ربما حق لجماهير نادي الإمارة أن تتحدث عن ميلاد لاعب جديد بارع وهداف وقناص ومرعب للحراس لديه كل المميزات التي تجعله المهدي المنتظر والخليفة الوحيد لتيري هنري.

إنه صاحب الثمانية عشر ربيعا كيليان مبابي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، فهو الهداف الجديد والنجم الذي لا يشق له غبار والقناص الذي برهن منذ إطلالته ولمساته الأولى أنه سائر على درب السلف المتألق في الإمارة وفي مقدمتهم هنري.

بنظرات بريئة وشغف المتلهف للتألق، بإبداعات النجوم وسحر الهدافين العباقرة والموهوبين بدأ هذا الفتى يشق طريقه بسرعة البرق في عالم المشاهير وكبار اللاعبين ليس في موناكو أو فرنسا فحسب، بل في أوروبا بأسرها، لقد أسر قلوب كل المتابعين للدوري الفرنسي وانتزع الإعجاب، والأكثر من ذلك أنه تمكن من تحقيق حلم عشرين سنة من الانتظار والصبر في الإمارة، هو حلم “استنساخ” هداف بالفطرة بقيمة هنري ومميزاته وتحركاته وانطلاقاته.

في سنة 1998، وحينما كانت كل فرنسا منتشية بحصول منتخب “الديكة” على لقب كأس العالم الذي أقيم في أراضيها، ولد كيليان مبابي في سنة استثنائية وتاريخية عرفتها الكرة الفرنسية.

ربما بدا وكأنه نهل في سنته الأولى من ذلك التتويج التاريخي لمنتخب بلاده، وكأنما زرعت فيه موهبة فطرية كان يكتسبها سلفه هنري المتوّج مع المنتخب الفرنسي باللقب العالمي، فترعرع بعد ذلك على حب كرة القدم، في نشأته الأولى كان يتلقى أصول الكرة في فريق مغمور موجود في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، بيد أنه ثابر وعمل وانتظر فرصته كي يفجّر كل طاقاته ومواهبه، وبما أن القدر أراد أن ينصّبه خليفة شرعيا لهنري في الإمارة التي سئمت انتظار فارسها الجديد، فتحت أمامه أبواب المجد والشهرة والتألق المحلي من الباب الواسع، ففي أقل من موسم قدّم أوراق اعتماده ليكون هذا الفارس المغوار والهداف الاستثنائي في موناكو.

ابن الثمانية عشر عاما نجح منذ بداية الموسم في تقديم مستوى رائع ومذهل، بل إنه وفق في تسجيل 12 هدفا وصنع ثمانية أهداف في مجموع 25 مباراة خاضها إلى حد الآن ضمن الدوري المحلي، لم يكن الجميع في أوروبا يعرفه، فعدد قليل من المتابعين والفنيين أدركوا لوحدهم موهبة “هنري الجديد”.

في الأثناء قدمت المباراة الشهيرة والتاريخية التي جمعت بين مانشستر سيتي وموناكو ضمن منافسات دوري أبطال أوروبا رسميا مبابي للجمهور العريض، فهذا اللاعب الفتيّ قدم مستوى رائعا، بل ونجح في أن يكون أحد أصغر اللاعبين الذين يسجلون في أمجد الكؤوس القارية، والأهم من ذلك أنه أكد لكل من تابعه في تلك المباراة أنه بحق خليفة هنري في الفريق الفرنسي.

اليوم وبعد أقل من أسبوع على تلك المباراة التاريخية بدأت عدة أندية أوروبية عريقة في السعي لانتدابه، فهذا اللاعب قدّم ما يشفع له وزيادة بأن يكون أحد أبرز اللاعبين في العالم خلال السنوات القادمة، اليوم وقبل انتهاء الموسم الحالي بدأت العروض تتهاطل على إدارة فريق الإمارة من أجل التعاقد مع الفارس الجديد.

في المقابل، أتى العرض الأكثر جدية من ابن البلد زين الدين زيدان مدرب ريال مدريد حاليا ونجم منتخب فرنسا سابقا، لقد كان صديقا حميما لهنري ولم تفرقهما الألوان بما أن كليهما لعب لفترات طويلة مع فريقين مختلفين.

زيدان الذي كان في السابق يتمنى أن يكون دوما إلى جانب هنري الذي يفهمه جيدا ويفهم أسلوب لعبه، يبدو أنه سيحقق تلك الأمنية قريبا، ليس مع هنري، لكن مع خليفته، فـ”زيزو” تابع منذ ما يزيد عن أربعة مواسم هذا الفتى مبابي عندما كان يبلغ 14 ربيعا ويلعب ضمن فرق الشباب، وبما أن ابن البلد غالبا ما يكون أفضل سند، فإن مبابي خليفة هنري وفارس الإمارة قد يكون أيضا خليفة الفرنسي الآخر كريم بن زيمة، لكن هذه المرة في القلعة البيضاء بتوصية خاصة من زيدان.

كاتب صحافي تونسي

24