هنود السهول الكبرى فنانو السماء والأرض يحكون تاريخهم في باريس

الاثنين 2014/06/09
الإبداعات الفنية لهنود السهول تستقي مادتها من تاريخهم ومعتقداتهم

باريس- لم يبق للهنود الحمر بعد حرب الإبادة التي عقبت غزو الغرب الأقصى، غير ملامح ثقافية يتمسكون بها كشهادة على حضارة غابرة، بدائية في نظر الغرب، ولكنها جوهرية بالنسبة إليهم، فهي سمة من سمات هويتهم؛ حول هذا الإرث الحضاري، يحتضن متحف رصيف برانلي للفنون الأولى بباريس معرضا بعنوان “هنود السهول الكبرى، فنانو السماء والأرض”، يتواصل حتى 20 يوليو القادم.

السهول الكبرى هي مناطق شاسعة تمتد من الأقاليم الكندية بساسكاتشيوان إلى تكساس، ومن حوض الميسيسيبي إلى الجبال الصخرية. استوطنها الهنود الحمر منذ آلاف السنين، وعاشوا فيها على الزراعة وصيد ثيران “البيسون”. منهم من آثر الاستقرار، ومنهم من داوم الترحال بحثا عن المراعي الخصبة والصيد الوافر.

لم تكن تلك القبائل تعرف من الحياة المدنية أيّ شيء، حتى الكتابة، فقد كانت تدوّن وقائعها ومظاهر حياتها على الطريقة البدائية، حيث الرجال يرسمون على الحجر أو يصنعون الأدوات باستعمال ما تقع عليه أيديهم من محيطهم الطبيعي، فيما النساء يخطن ويرسمن على الجلود والأنسجة أو يصنعن القلائد والتمائم.

بقوا على تلك الحال حتى قدوم الغزاة الأسبان في أواسط القرن السادس عشر، وإدخال الخيول التي غيرت نمط الحياة لديهم، فقد كثفت مبادلاتهم التجارية، ومكنتهم من مطاردة البقر الوحشي بأكثر سهولة. أما النساء، فقد توافرت لديهن أدوات جديدة كإبر الحديد، ودرر الزجاج، وصرن يقبلن على تزيين الملابس والأحذية الخفيفة والسروج بشكل غير مسبوق.

ورغم سيول الوافدين الأوروبيين على أراضيهم، وما حملوه معهم من أسلحة نارية وكحول وأوبئة، فإن مأساتهم بدأت عقب الحملة التي قادها لويس وكلارك (1804 /1806)، بحثا عن ممرّ في الشمال الغربي لإقامة خط حديدي يصل المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ.

فقد قابل البيض دفاع الهنود الحمر عن أراضيهم ومورد رزقهم بالحديد والنار، فنشبت بين الطرفين حروب غير متكافئة تحوّلت إلى إبادة جماعية، رغم المقاومة الشرسة التي أبدتها قبائل الشير وكيوالبا ونيوالشييان والكومانش والنافاجو والأباتشي والسيوكس، وبطولات قادة شجعان أمثال كوشيسي وجيرونيمو وسيتينغ بول، كان من نتيجتها تدمير بنيتهم الهشة وإتلاف جانب كبير من مخزونهم الثقافي وحبس الناجين منهم في محميّات كالحيوانات الوحشية.

كل هذا لا نجده في المعرض بطبيعة الحال، لأن المنظمين أرادوا تجنب المسائل المحرجة، خصوصا ما يتعلق بالمقدس، الذي لا يمكن عرض مظاهره بغير موافقة الهنود الحمر أنفسهم حسب قانون فيدرالي صادر عام 1990.

فلا وجود هنا لملامح الطقوس الجنائزية أو السحر والتنجيم. كما أن تعذُّرَ نقلِ الأعمال المحتوية على مواد عضوية، وخاصة أجنحة النسور، حدّ من الأعمال الفنية المعروضة. ولو أن ذلك لم يمنعهم من تخصيص قاعة مجاورة لعرض شريط قصير يتضمن مشاهد من أفلام “وسترن” لراوول وولش وجون فورد وصامويل فولر وغيرهم، كملخص للعنف الذي رافق غزو الغرب الأقصى، وصورة لإحدى الأساطير المؤسسة للتاريخ الأميركي الممزوجة برومانسية مضللة.

هذا التراث لم يحرص أحفاد الهنود على المحافظة عليه فقط، بل اتخذوه أسلوبا للتجديد ضمن تيار الفن المعاصر

يحتوي المعرض على مئة وأربعين قطعة وقع تقديمها في نسق يعكس استمرارية تاريخ هنود السهول الكبرى، من بينها منتخبات يرجع عهدها إلى ما قبل العصر الكولمبي: قلادة من الصّدف، نقيشة ثور وحشي، غليون من الطين، وآخر من البوكسيت في شكل منحوتة آدمية. والمعلوم أن للغليون رمزية قوية عند الهنود الحمر، فالدخان لديهم قربان يرافق صلواتهم من أجل السلام أو دعاءَهم بالشفاء، وهو أيضا شهادة عرفان وصداقة.

كما يتضمن المعرض قطعا أخرى سجلوا فيها فترات من أيامهم الرهيبة، مثل رسم يرجع عهده إلى عام 1891 يزين جلد طبل، ويبرز فيه نسر أسود يمدّ منقاره ومخالبه هاجما على سرب خطاطيف.

وأجمل تلك المعروضات فستان وقع إنجازه عام 1740 في ولاية أركنساس بغرض إهدائه إلى المستوطنين الفرنسيين، يظهر مجموعة من المقاتلين يرقصون حول فروة شعر آدمية كما تقضي بذلك طقوسهم، على حواشيه كنائس مرسومة بدقة.

إلى جانب فستان آخر قُدّ من جلد ثور وحشي، يقال إنه أُهدي إلى لويس وكلارك ثم أرسل إلى الرئيس الأميركي توماس جفرسون، رسمت عليه صولات مقاتلي داكوتا في أربع عشرة حلقة بواسطة أشواك الدلدل.

والمعلوم أن كل رقعة من الجلد أو سواها تستعمل عادة لسرد المعارك التي خاضها المحاربون وتقرأ مثل الأشرطة المصورة. كذلك الشأن في حقيبة من الخرز تؤرخ لمعركة “جبل الصخرة البيضاء” التي وقعت عام 1863، عقب انتفاضة السيوكس في ولاية منيسوتا.

إلى جانب أغطية الرأس التي تصنع في البداية من ريش الغربان ثم من ريش النسور، وكل ريشة فيها تمثل عملا بطوليا لصاحب الغطاء، وفي ذلك أيضا رمزية بالغة، فهي كالنياشين لدى جنود اليوم. هذا التراث لم يحرص أحفاد الهنود على المحافظة عليه فقط، بل اتخذوه أسلوبا للتجديد ضمن تيار الفن المعاصر منذ الستينات، وجد صداه لدى المتاحف الكبرى مثل موما بنيويورك. وجملة القول إن الإبداعات الفنية لهنود السهول تستقي مادتها من تاريخهم ومعتقداتهم وترتكز على الطبيعة وأشكال الحياة والظواهر الطبيعية، فهم فنانو السماء والأرض.

16