هنية في موسكو ينأى بنفسه عن تاريخ مشعل في مغازلته دمشق

قرار عودة حماس إلى حضن دمشق يتجاوز حدود الدوحة وأنقرة والتنظيم الدولي للإخوان، لأن تطبيع العلاقات مع النظام السوري يتعلق بحسابات قوى دولية من بينها روسيا.
الأربعاء 2020/03/18
التحالف مع الروس بثمن

خلال زيارته إلى روسيا، أدلى إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بتصريحات فهم منها أنها رغبة في إعادة ترطيب الأجواء مع دمشق. وأثار هنية، بثنائه على نظام الأسد وحديثه عن الدعم السوري للحركة والقضية الفلسطينية أسئلة حول الدور الذي يرجوه من الروس، وقد سبق وأن حاولت حماس الاستعانة بإيران لفتح باب التواصل من جديد مع دمشق التي لم تغفر لها علاقتها بأنقرة والدوحة والتنظيم الدولي للإخوان.

القاهرة- فتحت الزيارة التي قام بها إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الفلسطينية، لموسكو، الباب لأحاديث متفرقة حول دور روسي واعد في القضية الفلسطينية، على مستوى التسوية السياسية والتهدئة مع إسرائيل وإيجاد صيغة بديلة لصفقة القرن، وعلى صعيد المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، لكنها طرحت أيضا أسئلة حول إمكانية عودة التقارب بين حماس ودمشق.

لم ترشح معلومات كافية تؤكد أن القيادة الروسية لديها خطة محددة للتحرك في أي من هذه المسارات، أو أن حماس غيّرت من قناعاتها في التعامل مع هذه الملفات. فجميع اللقاءات التي عقدها هنية في موسكو بدت كأنها حملة علاقات عامة يقوم بها رجل مكبّل بقيود إقليمية ودولية كثيرة، يصعب أن تسمح له بحرية الحركة، ويريد أن يحتمي بجدران دولة كبيرة.

مغازلة دمشق

أدلى هنية بتصريحات إيجابية بشأن سوريا عقب لقائه سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي، وهو ما فسرته بعض الدوائر على أنه إشارة إلى رغبة في استعادة العلاقات بين الحركة ودمشق، والتي قطعت بعد فترة وجيزة من اندلاع الثورة السورية منذ حوالي تسعة أعوام وانحياز حماس لها، ثم خروج قيادات الحركة بعد نحو عشر سنوات كاملة عاشتها في الأراضي السورية، وهي منسجمة مع تصورات محور الممانعة أو المقاومة الذي كانت تقوده دمشق آنذاك.

توافقت حماس مع دورانها في فلك القوى الإسلامية المتشددة التي دخلت في معارك طويلة ضد نظام الرئيس بشار الأسد. وعززت الحركة مكانتها لدى محور تركيا وقطر والتنظيم الدولي للإخوان، لكنها حافظت على شعرة معاوية مع إيران وحزب الله وروسيا، الذين يؤيدون دمشق، ونجحت في عدم قطع هذه الشعرة التي بدأت تقوى جذورها مؤخرا.

تعتمد حماس سياسة ديناميكية مع خصومها، تمكنها من العودة بنعومة عندما تتغير الأجواء، وتعلمت عدم تبني مواقف جدية، وإذا فعلت ذلك تجد لنفسها مخارج مناسبة للعودة إذا وجدت أن مصالحها تقتضي ذلك، وهو ما تحاول القيام به حاليا من خلال إشارات مباشرة وجهها هنية إلى دمشق توحي بعدم استبعاد طي الصفحة الماضية، خاصة أن مكان إطلاقها (موسكو) يحمل معاني سياسية تشير إلى أن صاحب المكان قد يساهم بدور فعال في تسهيل مهمة ضيفه.

قال هنية في موسكو إن حماس تدعم سيادة الحكومة السورية على جميع الأراضي السورية، مشيرا إلى دعم النظام ذاته “كنا موجودين في سوريا منذ عشر سنوات ولن ننسى هذا التاريخ، ولا يوجد قرار أو سياسة من قبل حماس للانخراط في القضية السورية”، بما ينكر أي دور سلبي للحركة أو أي تعاطف مع القوى الإسلامية المتشددة، وهي خطوة تنطوي على تراجع كبير. فلم تأل قياداتها المختلفة جهدا في مناصرة خصوم دمشق، على الأقل عبر تصريحات إعلامية، وليست من خلال وجود عناصر لها على الأرض في إدلب أو غيرها.

متوقع أن تضع دمشق هنية تحت المجهر وتختبر حقيقة نواياه، بما يتجاوز التصريحات التي أطلقها من موسكو، لأن عودة حماس إليها تحمل قيمة رمزية للنظام السوري

الأدهى أن هنية أثنى على نظام الأسد، والذي لا يزال في رأي التنظيم الدولي للإخوان مغضوبا عليه، قائلا “دمشق تمثل عمقا استراتيجيا للقضية الفلسطينية”، وأنكر بشدة وجود مقاتلين من حماس شاركوا في الثورة أو في معارك إدلب الأخيرة، متمنيا الاستقرار والأمان للدولة السورية للعودة إلى ممارسة دورها الطبيعي.

يمكن فهم السياق العام للتحول الحمساوي في إطار مجموعة من المحددات الداخلية والإقليمية والدولية، أبرزها أن قرار المقاطعة اتخذ في عهد الرئيس السابق للحركة خالد مشعل، وهنية لم يكن في مقدمة الدوائر التي صنعت هذا القرار.

كما أن الخطوة تعزز ما يتم تداوله حول خلافات محتدمة في جسم الحركة بين عدد من القيادات التي تريد إقصاء هنية عن مركز القيادة، والمحسوبة على تيار مشعل، بينما هو يحاول مواجهة ذلك باستمالة قيادات المكاتب الخارجية خلال جولته المطولة الحالية التي زار خلالها عددا من الدول. وتبني سياسات مغايرة تحدث صدمة وارتباكا في صفوف مناوئيه، ربما تغير من الانطباعات السابقة عنه بأنه يتسم بليونة زائدة في مواقفه ولا يستطيع اتخاذ مواقف حادة.

أعاد هنية الحرارة إلى العلاقة مع إيران بعد فترة من الفتور. وأسهمت مشاركته في تشييع جثمان قاسم سليماني، دون رغبة القاهرة، في تأكيد هذا المنحى، حيث تلتها رسائل ود سياسي واقتصادي غير خافية. ويعتزم القيام بزيارة إلى لبنان ولقاء قيادات حزب الله.

وهي أيضا من الرسائل التي تؤكد أن الرجل قريب من حلفاء دمشق، علاوة على أن زيارته لموسكو التي جاءت في سياق سياسي مختلف، تصبّ نتائجها في المربع نفسه، إذا قررت دمشق الصفح عن حماس، في سياق عودة الأولى المتوقعة للانخراط في التفاعلات الإقليمية.

ماذا عن أنقرة والدوحة

يرى كثيرون أن ما يوصف بـ”استتابة” أو “استدارة” حماس، قرار مصيري لا يملكه هنية وحده، حتى ولو كانت إشاراته التي خرجت من موسكو تكتيكية، وهدف من ورائها حصد مكاسب داخل بعض هياكل الحركة، وعدم الالتفات إلى طبيعة العلاقات القوية بكل من تركيا وقطر، وهما من ألد أعداء النظام السوري، في الظاهر على الأقل. إذا كانت حماس لن تستطيع التضحية بأنقرة والدوحة وكل ما تحملانه من مضامين مادية ومعنوية للحركة، فالأرجح أن هنية أطلق بالون اختبار لم يمكن أن يقدم عليه، وبعث برسالة لجس نبض الجهات الإقليمية التي تتحكم في مفاصل القرار في الحركة ومعرفة ردود أفعالها.

بصرف النظر عن مدى ما وصل في هذا السياق له بالفعل، فهو رمى الكرة في ملعب النظام السوري الذي اشترط وهو في أصعب فتراته قسوة على حماس أن تقدم اعتذارا عما بدر منها في حقه، فما بالنا وهو اليوم أشد قوة، وتتحلل الكثير من القيود التي ربطته سنوات طويلة؟

اللقاءات التي عقدها هنية في موسكو بدت كأنها حملة علاقات عامة يقوم بها رجل مكبّل بقيود إقليمية ودولية كثيرة

متوقع أن تضع دمشق هنية تحت المجهر وتختبر حقيقة نواياه، بما يتجاوز التصريحات التي أطلقها من موسكو، لأن عودة حماس إليها تحمل قيمة رمزية للنظام السوري، لكنها ستكون محكومة بضوابط صارمة، وليست بعيدة عن جوهر اللعبة التي دخلتها دمشق مضطرة لمواجهة القوى المتشددة والإرهابية.

قد تكون تلميحات هنية تمت وفق خطة بالتفاهم والتنسيق مع تركيا وقطر ومقدمة لتحولات تعتزم الدولتان القيام بها، أو مناورة تقوم بها حماس بمفردها لتوصيل إشارات سياسية إلى من يعنيهم الأمر في المنطقة، وتوحي بأنها تستطيع القيام بتحركات درامية وغير مألوفة طالما أنها تحقق مصالحها في النهاية، وهو ما يكشفه أداء هنية السياسي الفترة المقبلة.

اللافت في الأمر أن قرار عودة حماس إلى حضن دمشق يتجاوز حدود الدوحة وأنقرة والتنظيم الدولي للإخوان، لأن تطبيع العلاقات مع النظام السوري يتخطى هذا البعد، ويتعلق بحسابات قوى دولية، من بينها روسيا، لكنها ليست بالقطع صاحبة القرار الفصل، وإلا كانت دمشق عادت منذ عامين إلى مقعدها المجمد في جامعة الدول العربية التي لا تزال دول أعضاء فيها لديها رغبة واستعداد لذلك وتفتقد القدرة على التنفيذ.

يظل القرار المحوري مرهونا بقوى دولية عديدة على صلة بتطورات الأزمة السورية التي لم تتضح معالمها النهائية بعد، ما يجعل موقف هنية تحيط به تحديات من جوانب مختلفة تحصر قيمته في الشق الدبوماسي المتعلق بحرص حماس على تطوير علاقاتها مع موسكو وجني بعض الثمار السياسية من وراء هذه الخطوة وليس أبعد من ذلك في الوقت الراهن.

7