"هواء" يطمس افتراضيا عامل الزمن ويغيب جغرافية المكان

هو زمن أرضي مأزوم، زمن مقبل لن تسلم فيه البشرية من شرور البشر أنفسهم جرّاء حصول الإبادات الجماعية المتوقعة، وهو في كل الأحوال زمن مستقبلي قاتم تمحى فيه الحياة البشرية، إلاّ قليلا، لكن وسط دائرة الناجين سيبرز رئيس الولايات المتحدة وحكومتها، فها هو يفتتح الفيلم بخطبة عصماء عن التدابير التي قررت حكومته والأجهزة الفيدرالية اتخاذها للتصدّي لهذا الخطر الماحق، بهذا ينطلق فيلم “هواء” للمخرج كريستيان كانتاميسا، فهل من حل؟
الاثنين 2015/10/26
الكوكب الأرضي تعصف به الحروب البيولوجية

في فيلم “هواء” للمخرج كريستيان كانتاميسا (إنتاج 2015) تحضر وسائل الإعلام بقوة لتغطية ردود الأفعال تجاه مشهد كابوسي مرير، حيث لم يعد ثمة هواء يمكن استنشاقه بشكل طبيعي بسبب عوامل التلوث بالأوبئة والجراثيم، وهي حصيلة حرب بيولوجية لن تبقي ولن تذر.

من الناجين من خطر الإبادة الجماعية المتوقعة، سيكون هنالك علماء يجري تنويمهم لعدة أشهر حفاظا عليهم، وكلما تمّ إيقاظهم فإنهم سيضطلعون بمهام إدامة زخم الحياة على سطح الكوكب، وكلهم مقيمون في قعر مختبرات وحجرات مغلقة لا يصل إليها أحد، ولا يسمع عنها أحد، وها هم يستيقظون تباعا في معالجة ملفتة للنظر لتوظيف التقاطعات الزمنية سرديا ومونتاجيا، بغرض الصعود بالأحداث وجعلها جديرة بالمشاهدة.

العالمان بور (الممثل نورمان ريدوس) وكارترايت (الممثل ديمون هونسو) نموذجان لما آل إليه واقع الأزمات الطاحنة والخوف مما هو آت، لكن هذين المنقذين اللذين يفترض أن يحملا للبشرية أخبارا طيبة في انتهاء حقبة التلوث وخراب كل شيء وشلل الحياة والوصول إلى الهواء النظيف، سرعان ما يتحولان إلى ندّين متنافسين ومختلفين إلى درجة الصراع الشخصي، ففضلا عن السجال المتواصل الذي طبع أغلب المساحة الزمنية للفيلم، فإنهما يصلان إلى مرحلة إطلاق الرصاص على بعضهما.

على خلفية التنافس بين الشخصيتين والصراع بينهما لن نشهد كثيرا من التحولات الملفتة للنظر ما عدا ذهاب كارترايت في مهمة للوقوف على ما آل إليه حال البشر منذ وقعت تلك الواقعة الكارثية، وهو يرتدي زيا يشبه زي رواد الفضاء، ويجوس في هباء أرضي تتناثر فيه هياكل عظمية لبشر قضوا في تلك الجائحة المدمرة.

يهبط الإيقاع الفيلمي تباعا جرّاء تلك الحوارات السائدة المتكررة، فالشخصيتان كما ذكرنا تستحوذان على أغلب المساحة الفيلمية، لا يقاطعهما سوى وجود الفتاة آبي (الممثلة ساندرين هولت)، والتي هي الأخرى تعيش ذلك الطمس الافتراضي لعامل الزمن، الغيبوبة الزمنية الافتراضية التي يجري التلاعب بها مرارا واستخدامها جسرا للمرور إلى الزمن المستقبلي.

الفيلم ينقطع عن الخارج ويغيب فيه عنصر جغرافية المكان، فالجائحة أضرت بالجميع والدمار باد، لكن ليس أكثر من ذلك

ولعل معالجة درامية من هذا النوع ليست جديدة في نمط “الديستوبيا” التي تعصف بالبشر، لكن هنا ليس هنالك كثير من الشخصيات، ومن الواضح أن المخرج قد لجأ إلى تكثيف الجانب الدرامي من خلال شخصيتين فحسب، يقع عليهما ثقل الكشف عمّا يجري حولهما من أحداث، فضلا عن وجود ضعف واضح في تعزيز تلك العلاقة مع آبي وكشف المزيد من أبعادها، فحضورها نمطي لا يسهم كثيرا في التصعيد الدرامي.

من جانب آخر هنالك ميزة الانقطاع عن الخارج وتغييب لعنصر جغرافية المكان، فالمؤكد هو أن الجائحة قد أضرّت بالجميع وشهدنا مشاهد الخراب والدمار التي مرّت عابرة، لكن ليس أكثر من ذلك، إذ هناك المزيد من الأسئلة الدرامية التي تحتاج إلى إجابات، وفي مقدمتها ما يتعلق بالحوار الذي يقترب من الرتابة والتكرار، بالرغم من أن المظهر العام لما يجري يوحي بأننا متواصلون مع بيئة ما تنطوي على أسرارها وتحوّلاتها.

ومع ذلك تطرح الأسئلة التالية: من صارع من؟ ومن قصف من؟ أية أمم تصارعت وضرب بعضها البعض بذلك السلاح البيولوجي الفظيع؟ ولماذا؟ وحتى وإن دخل اسم الإرهابيين في قائمة الشر واستخدام السلاح البيولوجي، فإنهم هم أيضا غير معروفين، من هم؟ ولماذا؟ وكيف وصلوا إلى تلك البقعة بالذات؟ أسئلة غير محددة الإجابات، والبناء الدرامي مفتوح على حقيقة تتكرر وهي أن الإمبراطورية مستهدفة، وأن أميركا وخطابات الرئيس التي تعلن حالة الطوارئ هي علامة فارقة في هذا الفيلم وفي أفلام أخرى، وهي هكذا أمّة وحضارة يستهدفها الأشرار دون غيرها في كل آن وحين.

وفي مقابل أحداث الدمار فإن البشرية التي تعيش أزماتها من خلال الفيلم ينحسر وجودها وظهورها، بل تبدو وكأنها غير موجودة أصلا، فالأهم في مسار الفيلم هو أميركا المحاربة التي أحالتها حروبها المجهولة إلى حطام وخراب، ومع ذلك عليها أن تردّ الضربة وأن تقارع وتستعدّ إلى معارك مقبلة.

إن الكارثة تفرض على الولايات المتحدة في البداية أن تخرج من ذلك الخناق الذي منع عنها حتى الهواء وألقى بها في متاهة المجهول، وما عليها إلاّ تجميد علمائها وتنويمهم لغرض أن يخرجوها من أزمتها، وعسى أن تعود الحياة إلى سابق عهدها، ولربما كان ذلك حلما، ولكنه حلم سيسعدنا به المخرج كريستيان كانتاميسا عندما سيخرج أول العلماء المنوّمين من غيبوبتهم الإجبارية أو الاضطرارية، ليشهدوا انحسار الوباء عن الأرض وعودة الهواء نقيا خاليا من السموم.

16