هواة الدراجات النارية في بنغازي يمتطون عجلات الحياة في سلام

إقبال متزايد على ممارسة هواية ركوب الدراجات النارية في بنغازي.
السبت 2021/05/15
في ليبيا ما يستحق الحياة

بنغازي (ليبيا) - يجوب هواة الدراجات النارية في بنغازي شوارع ثاني مدن ليبيا بمركباتهم اللمّاعة بهدف إعطاء “صورة حسنة” عن بلدهم الذي مزّقته النزاعات، ولكي يُبرزوا أن ثمة “من يحارب” وثمة كذلك “من لديه هواية”.

راكبو الدراجات يؤكدون أن هوايتهم تحسن مزاجهم في بلد أنهكته سنوات العنف والاضطرابات السياسية منذ الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011.

يقول معتز البدري أحد هواة هذه الرياضة، إن إقبال الشباب عليها بأنها “رياضة حماسية فيها مغامرة وتحد، ترفع المعنويات لصاحبها وتنمّي شخصيته”.

وأضاف أنه “يهوى ركوب الدراجات منذ الصغر لأنها رياضة ممتعة تدخل الفرح والسعادة في روحه وتعود عليه بأشياء إيجابية وصحة جسدية وراحة نفسية، كما تدعم ثقته بنفسه، لذلك يحرص خلال أوقات فراغه على ممارسة هوايته وعلى المشاركة مع المجموعة في الاحتفالات العامة والمسابقات الرياضية لاستعراض إمكانياته ومهاراته في القيادة”.

وتهدر محرّكات الدراجات النارية عندما يمرّ بها هؤلاء بثيابهم الجلدية في شوارع المدينة الواقعة في شرق ليبيا، حيث كان مهد الثورة التي أدت إلى سقوط نظام القذافي عام 2011.

وقبل الانطلاق في استعراض جديد وسط المدينة التي لا تزال آثار الحرب وندوبها بادية في مشهدها، يتجمّع أعضاء نادي بنغازي للدراجات النارية أمام مقر جمعيتهم التي اتخذت لنفسها شعارا هو عبارة عن محرّك مجنّح يذكّر بالنسر الشهير لدراجات “هارلي ديفيدسون” الأميركية.

ويمسك السائقون المقاود العريضة لدراجاتهم من طرازي “ياماها” و”كاواساكي” التي تنتظم في طابور مزدوج تأهبا لبدء الجولة، ولا يلبثون أن يندفعوا بها إلى طرق المدينة تحت أشعة الشمس الربيعية.

وحيثما يحلّ الموكب المميّز، يبادر المارة المتفرجون إلى تصوير الدراجات الهادرة، فيما تطلق السيارات أبواقها مضيفة لحنها إلى السمفونية الصاخبة.

ركوب الدراجات النارية يقتصر على الرجال فقط لأن الثقافة المحلية لا تسمح للفتيات بركوب الدراجات وقيادتها

وبشعره الطويل ولحيته الكثّة، يبدي مدير نادي بنغازي للدراجات النارية أحمد الفيتوري من على دراجته الضخمة اعتزازه بأن النادي “يتكوّن من 120 عضوا وهذه هوايتهم”.

وتأسس النادي عام 2014 بمبادرة من حفنة من الهواة في وقت كانت ليبيا تشهد حربها الأهلية الثانية، بعد تلك التي اندلعت عام 2011.

وبينما كانت المعارك محتدمة، لم يكن عشاق العجلتين يترددون في تشكيل مواكب تتحدى الوضع الأمني المضطرب.

ويعتبر الفيتوري أن استعراضات الدراجات النارية وسيلة لإعطاء صورة مختلفة عن المدينة ولإضفاء نوع من الوضع الطبيعي في يوميات بلد يعاني الانقسامات وأعمال العنف.

ويروي قائلا “كنا نخرج بدراجاتنا حتى في أيام الحرب وأظهرنا آنذاك للقنوات الفرنسية والإنجليزية التي أتت إلينا أنْ ليس جميع الليبيين منخرطين في الحرب، بل في بنغازي يوجد من يحارب ويوجد أيضا من لديه هواية”.

وتنامى عدد المهتمين بهذه الرياضة في المدينة، حيث يؤكد فخري الحاسي مدير مركز بنغازي للدراجات النارية أن “عدد المسجلين في هذه الرياضة بلغ 80 دراجا والإقبال يتزايد يوما بعد يوم”، مضيفا أنه “يقتصر على الجنس الذكوري فقط لأن الثقافة المحلية لا تسمح للفتيات بركوب الدراجات وقيادتها”.

ويتذكر الحاسي أن “الناس قبل الثورة عام 2011 كانوا ينظرون إلى من يقود دراجة نارية على أنه شخص غير سويّ”.

لكنّ “المظهر أصبح مختلفا اليوم، إذ أن العائلات والأطفال باتوا يأتون ليلتقطوا صورا” مع سائقي الدراجات النارية، على ما يلاحظ ابن بنغازي الذي يرتدي سترة جلدية ويضع نظارات شمسية ورباط رأس أسودَ، على غرار الـ”بايكرز” الأميركيين.

وقال إن “أغلب المنضمين يمارسون هذه الرياضة كهواية من بينهم بعض عناصر الجيش وذلك من أجل الترفيه عن أنفسهم وتغيير حالاتهم النفسية والخروج من حالات الضغط التي يعيشونها خلال حياتهم اليومية”، مبيّنا أن “هذه الرياضة واجهت عدة صعوبات عندما سيطرت الجماعات الإرهابية على المدينة ومنعت ممارسة هذه الرياضة مما أدى إلى إغلاق النادي قبل أن يعاد فتحه بعد طرد الجيش الليبي لهذه الجماعات”.

ويقوم أعضاء النادي الذين أصبحوا يحظون بشعبية كبيرة في بنغازي بأعمال خيرية، ويشاركون في “مسيرات للسلام” وفي أنشطة رسمية، كالاحتفال الذي أقيم قبل أسابيع لإحياء ذكرى عمر المختار، بطل المقاومة ضد الاستعمار الإيطالي في بداية القرن الماضي.

وكان سائقو الدراجات النارية خلال شهر رمضان يمرّون بين السيارات قبل دقائق قليلة من موعد الإفطار لتوزيع وجبات الطعام على السائقين المتأخرين في الوصول إلى منازلهم في الوقت المحدد.

وكل ذلك يُظهر “صورة حسنة” عن ليبيا، على ما يقول رئيس النادي.

وانتشرت مجموعات راكبي الدراجات النارية أيضا في مدن ليبية كبرى أخرى منها طرابلس والزاوية.

ويوجد في طرابلس وحدها الآن المئات من راكبي الدراجات النارية وهم جزء من مشهد متنام يشمل أشخاصا من مختلف أطياف المجتمع.

ويقوم هؤلاء الدراجون براليات تجوب ليبيا من بحرها إلى صحرائها تحت شعارات تسامح وتعايش مثل “ليبيا تجمعنا” و”ليبيا للجميع” كعنوان لرسالة سلام في بلدهم الذي مزقته الحرب.

17