هواة جمع العملات في مصر يتهافتون على عائلة الجنيه القديمة

العملة لا تفقد قيمتها إذا مرّت عليها السنوات، بل تصبح مطلب نوع من الهواة يجمعونها ويضعونها وفق تسلسلها التاريخي، فهواة جمع العملات القديمة يعرضونها عندما يحلّ عليهم ضيف يشرحون له تاريخها ومن أصدرها ومتى اختفت من الأسواق. هي هواية ليست غريبة ولا طريفة حتى أنها أصبحت تجارة تدرّ الأرباح على المغرمين بجمعها.
الثلاثاء 2018/01/02
هل صار لهواة جمع العملات القديمة {معلمين}؟

القاهرة - على مقعد خشبي بحافة رصيف مقابل لشارع سراي الأزبكية، وسط القاهرة، يجلس أحمد عبدالستار محاولا استخلاص عملة معدنية من عهد الملك فاروق (حاكم مصر والسودان بين 1936 و1952) من أحد التجار، وبجواره العشرات من هواة جمع العملات القديمة.

وشارع سراي الأزبكية يقع في منطقة تُعرف بالقاهرة الخديوية، نسبة إلى مؤسسها الخديوي إسماعيل، الذي حكم مصر بين عامي 1830 و1863.

في تقاطع شارعي سراي الأزبكية وسليمان الحلبي يتجمّع تجار وهواة جمع العملات القديمة وطوابع البريد، السبت والثلاثاء أسبوعيا، يتداولون هذه القطع الثمينة في ما بينهم، على ثلاث مقاه متجاورة في المكان.

ما إن فرغ عبدالستار (30 عاما) من عملية البيع، التي استمرت دقائق، وحصل على عملته، حتى شرع في الحديث عن ملتقى هواة جمع العملات القديمة، رافضا أن يسميه سوقا بالمعني التقليدي.

يقول عبدالستار، “إن عملية البيع في المكان تتم عبر تبادل التجار وهواة جمع مقتنيات العملات في ما بينهم، فكل من يأتي إلى المكان عادة تكون معه عملة يريد أن يبيعها أو أخرى يبحث عنها، فغالبية الموجودين لديهم مكتبات لهذه العملات مرتبة حسب أقدميتها، وفي الغالب لا يمتلك أي منهم كل عملات التاريخ المصري”.

في تجمّع سراي الأزبكية يتداول التجار وهواة جمع المقتنيات كل ما هو قديم، سواء كانت عملات معدنية أو ورقية أو طوابع بريدية وكذلك البعض من مستندات حكومية (مرسوم ملكي أو عرض أو حتى وثيقة زواج).

يتحدّد سعر العملات المعدنية في سراي الأزبكية من خلال عوامل عديدة، أولها العدد المتوفر، فكلما كانت العملة نادرة ارتفع سعرها، والثاني هو الجودة، ثم بعد ذلك العهد الذي تنتمي إليه، بالإضافة إلى عامل خبرة البائع، الذي يعرف قيمة ما بين يديه من عملات، وفق عبدالستار.

الملك فؤاد الأول يأمر بطباعة صور الفلاح إدريس الأقصري على الجنيه المصري مكافأة على حلم تحقق

الشاب المصري، الذي يعمل في مجال النشر الصحافي لا يعتمد على تداول الأوراق المالية القديمة كمصدر رزق، فهذا الأمر بالنسبة له هواية فقط، يقول “أتعامل مع هذه المقتنيات كالطفل.. أنشر عملاتي يوميا أمامي، وأتفحّصها، وأعيد ترتيبها حسب تاريخ صدورها، ثم أبحث بعد ذلك عن النواقص”.

أعظم العملات التي اشتراها عبدالستار ولا ينساها هي عملة معدنية صدرت قبل حوالي 182 سنة، حيث صُكت في عهد محمد علي باشا (حاكم مصر 1805 - 1848).

وهذه العملة عبارة عن “خمس من عشر القرش (أقل قيمة للجنيه المصري حاليا)”، فوقتها لم تكن مصر قد عرفت الجنيه، وظل عبدالستار يبحث عن تلك العملة قرابة سنة.

أسعار العملات المعدنية، وفق عبدالستار، تبدأ من 10 جنيهات (أقل من دولار أميركي) لبعض العملات الورقية، وترتفع كلما كانت العملة نادرة إلى أن يقترب سعرها من الألف جنيه (55 دولار تقريبا) أو ما يزيد.

يعرض باعة العملات ما لديهم على مجموعات إلكترونية في مواقع التواصل الاجتماعي، وتستمر العملية إلى أن يتفق البائع مع صاحب أعلى سعر ويتقابلا في سراي الأزبكية.

تجارة تدر ربحا

على مقربة من عبدالستار يجلس أحمد محمد (38 عاما)، أين تتماهى أصوات “الشيشة” (نرجيلة)، التي بدأ يسحب منها دخانه، مع صخب الشارع المملوء بباعة العملات.

يقول أحمد، إن غالبية المواد المتداولة مصدرها مقتنيات تعود إلى ما قبل مئتي عام ويزيد، والبعض الآخر يأتي من أسواق معروفة ببيع وشراء كل ما هو قديم، كسوق السيدة عائشة وسط القاهرة.

محمد، وهو مهندس شبكات بإحدى شركات القطاع الخاص، يوضح أن الأمر في البداية كان هواية ثم انقلب إلى تجارة تدرّ ربحا، ويرى أنّ الذين يتخذون المهنة مصدرا للزرق يجب أن يتفرغوا لها تماما، وأن يكونوا ملمّين ببعض الثقافة العامة.

لا يقتصر حضور محمد إلى سراي الأزبكية لاقتناء وبيع العملات، فهو ينتقل أحيانا إلى سوق يُعقد أسبوعيا في مقهى “علبة” بشارع النبي دانيال في مدينة الإسكندرية.

وبجانب سراي الأزبكية و”النبي دنيال”، دشّن مهتمون بالعملات القديمة نسخة عربية من مجلة متخصصة في الترويج للعملات، اسمها “المقتني العربي”، وهي مجلة أسترالية الأصل لها وكلاء في مصر والأردن ودول عربية أخرى.

ويشير محمد إلى أن المقاهي بسراي الأزبكية تفتح أبوابها يوم السبت بشكل أساسي، ويأتي هواتها من أكثر من محافظة، أما الثلاثاء فتكون الحركة فيه مقتصرة على عدد قليل من الزبائن، مضيفا، أن “هذه الهواية ممتعة، وتساعد في الثراء الثقافي أيضا”.

أما شريف عطية، وهو عضو هيئة تدريس بكلية الهندسة جامعة عين شمس، فبدأ في التعلّق بهواية جمع العملات القديمة منذ سنوات، وعرف سراي الأزبكية قبل سنة تقريبا عن طريق الفيسبوك.

عطية يقول، إنه يبحث منذ أشهر عن ريال مصري يعود إلى عهد الملك فاروق، ولم يحصل عليه حتى الآن.

حكايات العملات المصرية لا تتوقف على الصكوك المعدنية منها، فما زالت المفكرات التاريخية تحمل ما حدث في 4 ‏يوليو 1924، حينما صدر مرسوم ملكي بطباعة صور أحد الفلاحين على الجنيه المصري بأمر من الملك فؤاد الأول.

‏الفلاح المصري، الذي وضعت صورته على الجنيه الملكي، لم يكن أحد أفراد الأسرة الحاكمة، ولكنه كان إدريس الأقصري، خادم الملك فؤاد الأول (1868 - 1936) الذي تنبأ له بحكم مصر، وفقا لرؤية رآها في منامه.

ووعده الملك، الذي كان وقتها مجرد فرد من الأسرة العلوية، بحسب ما ذكره موقع الملك فاروق على الإنترنت، بأنه سيضع صورته على الجنيه لو تحققت الرؤية، وهو ما حدث بالفعل.

قطع ثمينة

من الناحية الرسمية يقول سعيد حلمي، رئيس قطاع الآثار بوزارة الآثار المصرية، إن هذه الأسواق مسموح بقيامها وتداول مثل هذه العملات، فالدولة تمتلك في متاحفها عملات مشابهة لكل ما هو متداول بين الهواة.

ويضيف حلمي، أن “هناك طريقتين للتعامل مع الآثار، الأولى إن كان قد مرّ على مثل هذه العملات 100 عام، وهذه يمكن مصادرتها في حالة واحدة، وهي ألاّ يكون لها مثيل لدى الدولة، وأن يرى مفتشو الآثار، الذين يتمتعون بالضبطية القضائية، أنها مهمة”.

ويمضي قائلا، “في هذه الحالة تتم مصادرتها وضبط من يتداولها، والتعرّف على كيفية حصوله عليها، فإن ثبت لدى جهات التحقيق أنها جاءته بحسن نية، ولم يتم سرقتها من أماكن أثرية، يتم التحفظ عليها فقط دون مساءلته قضائيا”.

ويتابع، أن “الحالة الثانية هي ما لم يمرّ على المُقتنى 100 عام، وفي هذه الحالة لا تتم المصادرة، إلا عندما يرى مفتشو الآثار أنه نادر جدا، وبالتالي يتمّ التحفظ عليه وعرضه لتحديد الإجراء المتوقّع اتخاذه، وعادة توضع هذه المضبوطات في متحف الفن الإسلامي”.

ويؤكد حلمي أنه “لا يوجد في مصر قانون يجرّم تداول العملات والوثائق القديمة، لكن هناك ما يسمح بمصادرة ما يقرّر مفتشو الآثار أنه نادر”.

20