هواجس الغنوشي من هزيمة جديدة تقوده نحو الاستنفار

حركة النهضة الإسلامية تحاول احتواء مأزق تقلص خزانها الانتخابي بالضغط والترهيب .
الاثنين 2019/09/30
سيناريوهات متعددة لتخويف الناخب التونسي

يتوجّس زعيم حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي، من انتكاسة انتخابية ثانية قد تهدم بيته السياسي، بعد نكسة أولى لحقت به في السباق إلى قصر قرطاج. وأجرى تعديلات كثيرة على خطابه السياسي ليخرج به من خانة منطق التوافق، ويعيده إلى مفردات الثورة والإسلام ومصطلحات الفوضى المحتملة ما لم تفوض النهضة شعبيا في المراتب الأولى في انتخابات البرلمان.

تونس - رفعت الهزيمة المتوقعة لحركة النهضة الإسلامية، في الانتخابات التشريعية التونسية القادمة، من هواجس رئيسها راشد الغنوشي، الذي تعالت تحذيراته وتهديداته المبطنة في محاولة يائسة لاحتواء المأزق المزدوج الذي يبدأ بقرب انهيار المشروع السياسي لحركته، ولا ينتهي عند تبعات ذلك الانهيار الذي سيدفع الغنوشي ثمنه باهظا في قادم الأيام.

وأخذت تلك التحذيرات والتهديدات سياق تحوّل إلى ما يشبه الهستيريا عكستها حالة الذعر والتخبط التي دخلها الغنوشي، والتي دفعته إلى استحضار الكثير من الذرائع والمبررات لرسم سيناريوهات متعددة لتخويف الناخب التونسي وسط خطاب سياسي لا يخلو من التخويف، وتحميل مسؤولية تدهور الأوضاع في البلاد إلى بقية الأحزاب الأخرى.

وبدا هذا التنصل واضحا في كلمة ألقاها الأحد في مدينة مدنين بأقصى جنوب البلاد، اعتبر فيها أن “سؤال ماذا فعلتم لنا طيلة 5 سنوات لا يوجه إلى حركة النهضة وإنما إلى حركة نداء تونس”، التي “كانت لها الرئاسات الثلاث سنة 2014 وكانت بيده أيضا أهم الوزارات ومنها وزارة المالية”، على حد تعبيره.

عماد بن حليمة: عودة راشد الغنوشي إلى مربع التهديد مردها الشعور بخطر إمكانية محاسبته عن ثماني سنوات من الحكم
عماد بن حليمة: عودة راشد الغنوشي إلى مربع التهديد مردها الشعور بخطر إمكانية محاسبته عن ثماني سنوات من الحكم

غير ذلك، الخطاب الخطير بلغ ذروته في مدينة صفاقس، التي ألقى فيها مساء السبت كلمة أمام حشد من أنصاره، عكست بمفرداتها حالته المأزومة، بعد أن استنفر فيها آخر أوراقه للضغط والترهيب، حيث لم يتردد في مهاجمة المستقلين وبقية الأحزاب المنافسة، وصولا إلى التلويح بفتح أبواب البلاد على عوامل الفوضى، في صورة لم تفز حركته بالانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها بعد نحو أسبوع.

وقال الغنوشي في كلمته “جئنا إلى صفاقس لحسم المعركة… في صفاقس تُحسم المعارك الكبرى… أنتم أهلنا، ونحن نقول لكم الحقيقة… هناك خطر يتربص بتونس… تونس على أبواب التخرج ديمقراطيا… إما أن تتخرج دولة ديمقراطية وكاملة ونموذج للدول العربية والإسلامية وإما…”.

وأردف هذا التهديد المبطن بالقول إن التصويت لقائمات المستقلين المشاركة في الاستحقاق الانتخابي التشريعي “يعني التصويت للفوضى، وتسليم البلاد للمجهول”، على حد تعبيره. داعيا في المقابل إلى التصويت لحركة النهضة الإسلامية المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

وتشارك في الانتخابات التشريعية التي ستُتفتح صناديق اقتراعها يوم السادس من أكتوبر أكثر من 1433 قائمة انتخابية في مجمل الدوائر الانتخابية؛ سواء داخل الوطن أو بالدوائر الانتخابية خارج حدود البلاد، منها 653 قائمة مستقلة و132 قائمة ائتلافية، بحسب بيانات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

وتعطي نوايا التصويت حظوظا وافرة للقائمات المستقلة لحصد أكبر عدد من مقاعد البرلمان القادم البالغ عددها 217 مقعدا، تماما مثل ما حصل خلال الانتخابات البلدية التي تمت في السادس من مايو من العام الماضي، والتي فازت فيها القائمات المستقلة المُختلفة على 32.2 بالمئة من أصوات الناخبين، فيما حصلت فيها حركة النهضة الإسلامية على 28.6 بالمئة.

وعلى وقع هذا الوضع، اعتبر الناشط السياسي، المحامي عماد بن حليمة، أن راشد الغنوشي راكم في خطابه في مدينة صفاقس المزيد من المغالطات التي باتت تتعدل وتتغير وفق معادلة موازين القوى، وموقع حركة النهضة في المشهد السياسي القادم الذي بات مهددا بالانهيار.

وقال لـ”العرب” إن ما ورد على لسان الغنوشي في مدينة صفاقس “حمل رسائل سياسية تنطوي على سلسلة لا تنتهي من المخاوف التي تعكس حالة الارتباك والتخبط التي تحيط به، والتي تؤكد في مُجملها أن لديه ما يكفي من الأسباب للشعور بالقلق، وأن تنتابه مشاعر الخوف وحتى الهلع، في علاقة بمستقبله السياسي”.

وأعرب في هذا السياق عن اعتقاده بأن طبيعة المناخ السياسي الراهن، الذي يدفع بتغييرات جوهرية في تركيبة المشهد السياسي العام في البلاد، جعلت الغنوشي يستشعر الخطر من إمكانية محاسبته عن حقبة الثماني سنوات التي حكمت فيها حركته البلاد، الأمر الذي دفعه إلى العودة إلى مربع التهديد والترهيب، وتوجيه الاتهامات الخطيرة إلى منافسيه.

Thumbnail

ولفت في المقابل إلى أن خطاب الغنوشي في مدينة صفاقس، بمفرداته التصادمية، ليس معزولا عن السياق العام الجديد الذي دخلته حركة النهضة الإسلامية منذ هزيمة مرشحها للاستحقاق الرئاسي، عبد الفتاح مورو، بل هو امتداد له، حيث سبق للغنوشي أن هاجم حزب “قلب تونس” برئاسة المرشح للدور الثاني من الاستحقاق الرئاسي، نبيل القروي.

وكان الغنوشي الذي بدّل من خطابه السياسي، تحت ضغط المتغيرات الجديدة في البلاد، قد حذر قبل ذلك الناخبين من مغبة التصويت لحزب “قلب تونس”، قائلا خلال مؤتمر صحافي عقده بتونس العاصمة، إن حركة النهضة “تحذر من سيناريو نجاح قيس سعيّد في الاستحقاق الرئاسي، وحزب “قلب تونس في الانتخابات التشريعية”.

واعتبر أن هذا السيناريو “لا يناسب تونس، وسيتسبب في تصادم وتنافر على رأس السلطة التنفيذية، لذلك ندعم قيس سعيّد على رأس السلطة التنفيذية وندعو الشعب إلى التصويت للنهضة في التشريعية، باعتبارها قادرة على التعامل مع قيس سعيّد كرئيس”، على حد تعبيره.

وبهذا الخطاب الاستفزازي، يكشف الغنوشي عن حجم المأزق الذي قلص كثيرا مساحة المناورة التي كان يمتلكها، كما يؤكد تزايد الهواجس التي باتت تؤرقه من الارتدادات والانعكاسات المحتملة على سياق الترتيبات التي ستنتهي إليها الأوضاع في البلاد بعد الانتخابات التشريعية القادمة.

4