هواري بومدين عقدة الزعيم في زمن الخوف

السبت 2016/01/09
ظل عالٍ يخيم على الخلافات السياسية بين الجزائريين

أبوظبي - كلما حلت ذكرى وفاة هواري بومدين، وعلى مدى 37 سنة خلت، يعود معظم الجزائريين إلى الحديث عنه بلغة المدح، والحنين إلى سنوات حكمه من قبل التيار الوطني وقوى اليسار والأجيال الجديدة، أو اعتبارها مرحلة قحط سياسي وتحكم فردي وإقصاء للقوى السياسية الأخرى كما هو الأمر بالنسبة إلى تيار الإسلام السياسي. وبالرغم من الاختلاف البيّن بين السياسيين على النحو الذي ذهبنا إليه آنفا، إلا أن هناك اتفاقا ضمنيا يرقى إلى درجة اليقين من أنه زعيم وطني مخلص، عرفت الجزائر في عهده أزهى فترة في تاريخها منذ الاستقلال لجهة استقلال قراراتها وعزة شعبها وتطلعه نحو مستقبل أفضل.

الميدينية الجديدة

بعيدا عن المواقف السياسية من الرئيس الراحل، وهي أغلبها تعبّر عن حالة وجدانية تحكمها دواعي المناسبة أو الظهور الإعلامي أو التجاوب مع الجماهير، فإنه في غيابه، كما كان في حضوره، يمثل حالة إجماع نادرة في التاريخ الجزائري منذ ألفي سنة قبل الميلاد، أي منذ ظهور” النوميديين” في هذه المنطقة التي اتسعت اليوم، وأصبحت “الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية”.

ذلك لأن سكان الجزائر في الماضي البعيد، وأغلب سكان المنطقة المغاربية، عرفوا بالتمرد على سلطة الدولة المركزية، حيث لا اعتراف، بل لا وجود، إلا في بعض الحالات القليلة، بسلطة مطلقة للحاكم. وقد كان الرفض، ولا يزال، يتخذ أشكالا مختلفة يمكن التأسيس عليها لمعرفة ما يجري اليوم في الجزائر. الأمر الذي يشي بتغير منتظر يتحرك ضمن السياق العام لحركة التاريخ في الجزائر.

هواري بومدين، إذن، حالة نادرة في التاريخ الجزائري، ويصعب، وقد يستحيل تكرارها،لأنها وجدت خارج السياق العام، ذلك أن الأدبيات السياسية والمواقف الاجتماعية تشير إلى تعلق شعبي بالحاكم إلى درجة تصل حد التعلق المرضي. لكن سرعان ما يختفي الحب ليظهر النقد أو النكران، وقد حدث هذا على المستويين السياسي والديني، فالنسبة إلى الأول نذكر المثالين التاليين، الأول هو الزعيم مصالي الحاج، الذي يعرف بــ”أبو الوطنية في الجزائر” وإليه يعود الفضل في تكوين وعي سياسي وتحرك نضالي وتأسيس حزبي، ضمن حركات التحرر الوطني في أوساط الطبقة العمالية المغاربية، والتي عرفت باسم”نجم شمال أفريقيا”، فقد انتهى به المطاف إلى النكران والجحود والإبعاد.

المثال الثاني هو الزعيم الراحل أحمد بن بله. الذي عرف بشعبيته الواسعة بعد الاستقلال، وانتهى به الأمر مٌبْعدا عن الحكم، وتحت الإقامة الجبرية. ويُذْكر اليوم باعتباره أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، وأنه ثائر ووطني، لكن ليس هناك اعتراف بزعامته لجهة الحنين أو الشوق لفترة حكمه القصيرة والتي كانت ثلاث سنوات فقط.

الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، والذي عمر في الحكم أكثر من بومدين لا يستطيع التخلص من حضور بومدين ومن مطاردته له، مع أنه كان من ذوي القرابة سياسيا، سواء اعترف بذلك أم لم يعترف، فهو مطوق بمعروفه وفضله وتجربته في الحكم

استفزاز الأحياء

ينطبق الأمر أيضا على زعامات دينية، منها تلك التي قادت حركة إصلاحية ضمن عمل مؤسساتي، شكَّلت بعملها وعيا وطنيا على خلفية دينية، ونقصد هنا بالتحديد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ عبدالحميد بن باديس. كما ينطبق أيضا على أصحاب المجهود الفردي، ومنهم على وجه الخصوص المفكر مالك بن نبي. فقد انتهى جميعهم، رغم وجود أتباعهم إلى الآن، من ناحية الحضور الوطني العام، وهذا على خلاف بومدين الذي لا يزال حاضرا، يحتمي به الأحياء من السياسيين، مع أنهم مناقضون له في الأفعال وفي المواقف، وفي الرؤية السياسية، وحتى العسكرية.

بومدين في غيابه يُشكل استفزازاً للأحياء، خاصة السياسيين منهم، ذلك لأن تجربته في الحكم (13 عاما) أثبتت قدرة السياسي الجزائري على فرض واقع محلي وإقليمي ودولي، اعتماداً على قناعات مستمدة من الوعي بالتاريخ، وتوظيفا لمقدرات الشعب والدولة، هذا في الوقت الذي يواجه فيه قادة الجزائرالحاليين الفشل الذريع بالرغم من تغير الظروف إلى الأحسن. ليس هذا فقط بل إن الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، والذي عمّر في الحكم أكثر من بومدين لم يستطع التخلص من حضوره ومن مطاردته له، مع أنه كان من ذوي القرابة سياسيا.. وهو، سواء اعترف بذلك أم لم يعترف، ظل مُطوَّقاً بمعروفه وفضله وتجربته في الحكم، وبه تمكّن من الفوز عند ترشحه للانتخابات الرئاسية في العهدة الأولى عام 1999.

وعلى مدى السنوات الماضية من رحيله، وهي أكبر من عمر جيل بأكمله، مثّل بومدين عقدة لكل الجزائريين. تجلت في وقوف التاريخ عندهم عند مرحلة حكمه على ما فيها من نقائص لا يمكن إنكارها، ليس فقط لكونها تعبر عن مرحلة عزة وانتصارات وبناء ولكن لأن الشخصية الجزائرية في فترة حكمه عرفت تضخّما للذات لم تعرفه من قبل، انتهى بها إلى حالة مرضية وصلت إلى درجة الفخر والتعلق بإنجازات موعودة ارتبطت بالمشاريع التي طرحها بومدين.

الطبقة السياسية التي تحكم الجزائر ما تزال تعيش عقدة زعامة هواري بومدين فلم تنتج زعامات قادرة على حسم الصراع
وعند رحيله بدت الحقيقة عارية، مناقضة لقوله “نريد دولة لا تزول بزوال الرجال والحكومات”. المدهش أن من قضى على هذه المقولة هم رجاله، سواء الذين أيدوه رهبا أو الذين وقفوا إلى جانبه عن قناعة، أو أولئك الذين كانوا يظهرون له خلاف ما يبطنون، رجاله لم يكونوا فريقا واحدا، كما ذهب إلى ذلك رئيس الحكومة الأسبق عبد السلام بلعيد، وزير الطاقة في عهد بومدين في حوار أجريته معه عام 2001.

خرافات حداثية

إن حديث الجزائريين عن بومدين من منطلق أنه يمثل أهم قائد عسكري وزعيم سياسي في تاريخهم، يواجهون بأعماله ومواقفه الهزات الكبرى للدولة الجزائرية، ويعتبرونه الصالح من حكام الجزائر بعد الاستقلال طبقا لمقارنة عادلة بينه وبين من حكموا بعده، هو حديث عواطف يعود إلى تلك المشاهد التاريخية والصور المغلوطة والوهمية والخرافية المتعلقة بطبيعة السلطة السياسية والزعامة الفردية في تاريخنا العربي، والفرق هنا أن فيها من خرافات الحاضر ما هو حداثي، عصري، ساعد في انتشارها زيادة المظالم، وشرعنة الفساد وتقنينه، وتحويله إلى ثقافة عامة.

في الواقع السياسي الجزائري اليوم، هناك شوق لمرحلة بومدين، حتى من الذين ولدوا بعد وفاته، قائم على خلفية حاجة الجزائريين إلى قائد بمواصفاته. لكن ذلك الشوق غير قابل للتحقق، وسيظل لهفة إلى زمن ولّى. ناهيك أن ممارسات غالبية الجزائريين تتناقض مع طروحات بومدين، بل إن رهانه على الفلاحين والعمال والطلبة ثبت فشله، مع أن عدد تلك الفئات والطبقات قد زاد مع الأيام،

وأغلبهم في التقاعد اليومي، منهم قادة أحزاب ورجال أمن وعسكر تخلوا عن كل أفكار ومشاريع بومدين استجابة لشروط ومتطلبات المرحلة، تحت قيادة رفاقه في الثورة والجيش والحكم، رفاق لا يأتون على ذكراه إلا إذا احتاجوا لدعمه من خلال تاريخه الحافل بالمنجزات والمواقف.

لا يزال الجزائريون تحت تأثير صدمة وفاة بومدين، فكل سنة يتجدد النقاش حول أسباب وكنه مرضه، ويُطرح عدد من الفرضيات ويزيد عدد المتهمين، حتى أنني ذكرت أربع فرضيات منها في كتابي الصادر عام 1998 في كل من القاهرة والجزائر، تحت عنوان “اغتيال بومدين.. الوهم والحقيقة”، وسيبقى هذا النوع من النقاش مفتوحا مادام يشكل انشغالا عاما لدى الجزائريين، يلهي عن حال الجزائر اليوم تحت قيادة بعض من رفاقه، ويغني عن الاعتراف بأزمة سلطة آخذة في التوسع بعد طرح الخلافات الداخلية على عامة الشعب، وهو ما كان مرفوضا من بومدين، رغم خصومه الكُثْر، بمن فيهم قادة داخل المؤسسة العسكرية.

13