هوامش على زيارة نتنياهو الأفريقية

الاثنين 2016/07/11

الطريقة التي تعامل بها البعض مع زيارة بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، لكل من أوغندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا أخيرا، أوحت بأن هناك مفاجأة مدوية نزلت على رأسهم، وتقود تداعياتها إلى خسارة دول القارة السمراء، بسبب ابتعادها عن العرب، والانحياز إلى إسرائيل، وأن المؤامرة على تطويق مصر من الجنوب بدأت تتكشف خيوطها، ولم يعد سوى البكاء على اللبن المسكوب.

الحاصل أن الأهداف الرمزية والمعنوية والسياسية التي وضعها نتنياهو لجولته تحققت بامتياز، فهو لم يذهب لزيارة أربع من دول حوض النيل ويلتقي مع قيادات ثلاث دول أفريقية أخرى (جنوب السودان وتنزانيا وزامبيا) لتوقيع اتفاقيات ذات طابع إستراتيجي، لكنه ذهب لتأكيد أن العلاقات مع أفريقيا لن تتم من الآن فصاعدا بطريقة سرية، وأن إسرائيل لديها من الأصدقاء ما لا تملكه دول أخرى راسخة في القدم.

لذلك لست ممن يحبذون الحديث عن عودة التغلغل الإسرائيلي في القارة الأفريقية، والالتفاف على الدول العربية، والإضرار بمصالحها، وما إلى ذلك من مفردات عفا عليها الزمن، حيث كانت تتردد في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عندما كانت هناك دول عربية تملك رؤى حقيقية، وأدوات تستطيع صد الاختراقات الخارجية، وتحالفات إقليمية تقف ضد العواصف السياسية والمخططات الأمنية.

أشفقُ على من انتابهم الحزن والقلق من هذه الجولة، وأشفقُ أكثر على من تصوروا أن العرب بدأوا العد التنازلي لخسارة دول عديدة في أفريقيا، لأن هؤلاء وهؤلاء مازالوا يتعاملون مع ما يجري في القارة وكأننا سادتها نملك الحل والعقد فيها، ونسوا أن هناك تغيرات جوهرية حدثت، أفضت إلى تراجع، وربما انتفاء النفوذ العربي بمعناه التقليدي، وحشره في زوايا اقتصادية ضيقة غير مؤثرة سياسيا.

علاوة على أن الدول الأفريقية لم تعد أثيرة لحسابات ماضوية، فقد أضحت تقيم علاقاتها انطلاقا من مصالحها الإستراتيجية، ولا تقيم وزنا للمشاعر والعواطف والروابط الإنسانية، وتجري خلف من يساعدها على تحقيق أهدافها، كما أنها ليست كتلة صماء، وداخل الدولة الواحدة قوى تنحدر من مشارب مختلفة، تصل أحيانا إلى حد الميول والتوجهات المتضاربة.

إسرائيل انتبهت لهذه المسألة مبكرا، ونجحت في نسج علاقات متطورة منذ فترة، على أساس المصالح المتبادلة، الأمنية والاقتصادية، وقطعت في هذين المجالين شوطا كبيرا، وربحت جملة من المكاسب، وتجاوزت الكثير من المصدات والمطبات السياسية التي أرقتها لفترة من الزمن.

الآن تريد إسرائيل أن تعلن عن دورها الإقليمي القادم، حيث تجاوزت العقبات، وأصبحت التربة مهيأة أمامها، مستفيدة من التغيرات الدرامية التي تموج بها المنطقة، والتي يمكن أن تتمخض عنها خارطة جديدة.

خارطة تقول – في النهاية – إن تل أبيب اللاعب المحوري، بعد انتهاء أدوار لاعبين سابقين كبلوا حركتها نسبيا، وقد اختارت الحلقة الأبعد جغرافيا، لكنها الأقرب وجدانيا والأسهل سياسيا، والتي تستطيع من خلالها التأكيد على أنها سوف تتبنى سياسة هجومية متشعبة، ما يفرض على الآخرين التعامل معها كرقم طبيعي وليس استثنائيا، وأن اللجوء إلى الطرق الالتفافية لإقامة علاقات سياسية انتهى بلا رجعة.

نتانياهو أراد من وراء جولته الرمزية القول إنه حان وقت جني ثمار الجهود الخفية التي بذلت عبر العقود الماضية في أفريقيا، وأن دولا مثل مصر وليبيا، لم تعد القارة مسرحا لها، فالقاهرة تعاني أزمات متفاقمة جراء سياستها العرجاء، ومشغولة بالبحث عن آليات تتجاوز بها مصاعب سد النهضة الإثيوبي، وليبيا أصبحت خارج الزمن الأفريقي، لأن مشاكلها أبعدتها تماما، وفرضت عليها الانخراط في همومها الداخلية.

النتائج التي حصل عليها نتنياهو أقل من التوصل إلى تفاهم مع أديس أبابا يقضي بإيصال مياه نهر النيل إلى إسرائيل، لكنها أكبر من الوعد بالحصول على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي، فالمياه تحكمها اتفاقيات وقوانين دولية صارمة، وموافقات من جانب دول أخرى مشتركة في النهر، لكن الصفة عملية تحتاج فقط لقدر يسير من المرونة والحركة السياسية.

إذا كانت إسرائيل حصلت على صفة مراقب في أوج الممانعات الرافضة لها من قبل، عندما كانت منظمة الوحدة الأفريقية في عنفوانها، فما بالنا الآن والكثير من دول وريثها الاتحاد الأفريقي حجبت اعتراضاتها، والدول التي كانت تتصدى لنفوذ إسرائيل طواها النسيان، بعد انشغالها بأزماتها المحلية، مصر وليبيا والجزائر مثالا؟

لذلك فالقلق الذي انتاب البعض من عدم استبعاد الحصول على هذه الصفة، منح إسرائيل قوة أكثر مما تستحق، وتم تصوير الجولة باعتبارها اختراقا حديثا، بينما هي نتاج تغلغل سابق، فالمشكلة الحقيقية أن العرب تركوا الساحة الأفريقية بإرادتهم، الأمر الذي وفر على تل أبيب الكثير من الجهود، وقصّر عليها المسافات، وجعلها لا تحتاج إلى تقديم إغراءات ثمينة.

وهي الرسالة التي رد بها نتنياهو، بصورة غير مباشرة، على من انتقدوه في الداخل الإسرائيلي، ورددوا أن جولته الأفريقية للتغطية على أزمات وإحباطات داخلية، ولا تساوي تكاليف سفر الوفد الكبير الذي رافقه.

المراقب لما يجري في أفريقيا، يعلم تفاصيل الصراعات على الموارد الطبيعية بين البعض من القوى الكبرى، ويدرك حجم التكالب على النفوذ الذي تقوم به دول مثل الصين والهند وتركيا وإيران، ويعرف حدود التراجع الأميركي عن المنافسة.

كما أن تصاعد الأدوار التي تقوم بها جماعات متشددة في مناطق عدة بالقارة، وغالبيتها تدور في فلك كل من تنظيميْ القاعدة وداعش، من الشرق إلى الغرب، يقود على الفور إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل بدأت عملية تسخين للدخول في اشتباك مباشر مع ملف الإرهاب، الذي يؤرق الدول الأربع التي زارها نتنياهو، والذي لم تعد الآن الولايات المتحدة على نفس درجة حماسها السابق في التصدي له.

التقاطعات الكثيرة بين إسرائيل وعـدد من الدول الأفريقية، سـاعدت على نجـاح زيارة نتنياهو إعلاميا، وأعطت انطباعات قوية بأن هناك خطة محكمة للسيطرة على مقادير القارة، انطلاقا من تقديرات سابقة التجهيز.

كاتب مصري

9