"هوت ماروك" سيرة شاب من القرية إلى مخبر في نادي الإنترنت

الأربعاء 2016/05/25
الكاتب لدى توقيعه روايته الجديدة

أَسست رواية هوت ماروك للمغربي ياسين عدنان مرجعيات نصية للاحتفاء بسيرة فقراء عشوائيات مراكش، فمحافلها السردية تدور في جغرافيا ضيقة تقع بين حي المواسين وحي المسيرة. الرواية هي الأولى للكاتب بعد خمسة دواوين شعرية، وثلاث مجموعات قصصية “من يصدق الرسائل ؟”، و”تفاح الظل”، و”فرح البنات بالمطر الخفيف”.

وتَشكّل متن الرواية الصَّادرة عن دار العين بالقاهرة، من سرد رتيب لما زخرت به مراكش من نماذج بشرية متنوعة، وقد انطلق السارد من سير من صادفهم وعاش معهم، حيث تتحقق ذات السارد من خلال تحقيره لشخصيات مناوئة عاشت معه، ونافسته شؤون الحياة. وتمكن ياسين عدنان من خرق التابوهات والأنساق المألوفة للعمل الروائي من تمجيد للذات المعروضة للقارئ أو المعروضة بشكل محايد. وهذا ما لا نجده عند السارد في هذه الرواية، حيث جعل هذا الأخير من نفسه نموذجا ورمزا للدونية، وهذا يذكر بهجاء الشاعر العربي القديم لمن يريد النيل منه، فهو يرى نفسه ذاتا حقيرة يأسف لوجودها في الحياة.

يؤكد الكاتب لـ”العرب”، أنه حاول أن ينتقل بالقارئ إلى فضاء الإنترنت، فنحن لنا حياة إلكترونية موازية لحياتنا الواقعية، كما يرى عدنان، حيث أظهرت الشخصيات الافتراضية على شبكة الإنترنت تفوق تأثيرها الواقعي. ولكنّ هناك آخرين يعيشون حياتهم خاملين مثل رحّال بطل الرواية، ورغم ذلك تحول إلى شخصية افتراضية مهابة في موقع إلكتروني، ويحسب الجميع لتعليقاته ألف حساب. فالرواية، كما يبيّن كاتبها، قرأت المسافة بين ذاتنا ونظيرتها الافتراضية، ونقلت أحقادنا إلى الفضاء السيبراني.

تصريح الكاتب لا يوضح إلا جزءا يسيرا من الرواية، فرحال، الذي كان محور السرد سواء كفاعل فيه أو مراقب لما يحدث، جاء من عائلة قروية هاجرت من القرية إلى مدينة مراكش بسبب الجوع في سنوات القحط. لكن الرواية تطرح حكاية موازية قبل رحال، عن العلاقة بين العم عياد وحليمة زوجة أخيه، لتنجب حليمة رحال، فيصير محل لغط القرويين بسبب شبهه لعمه ولمعرفتهم بالعلاقة المحرمة بين عياد وحليمة.

الزوج كان حافظا للقرآن، مؤدبا لا يتكلم تقريبا، لكنه يسمع التعليقات المخزية ويتأثر، فيقرر الرحيل مع العائلة حفاظا على مشاعر الطفل، وخوفا عليه من مجابهة القرويين بذكر ماضي أمه وعمه، متذرعا بحالة القحط في القرية. والتحق هو وزوجته والصغير بأخيه عياد، الذي سبقهم، فارا من الفضيحة ذاتها إلى بيت من بيوت الصفيح المحيطة بمراكش، فمكنهم من غرفة في بيته، لتنتقل بعدها العلاقة بين العاشقين السابقين من السر إلى العلن، فالزوج منعزل في غرفته، ولا يلتحق بزوجته وأخيه إلا وقت تناول الطعام. يمضي أيامه في مقبرة المدينة يقرأ سورا من القرآن الكريم على الميتين، لينال إحسان الزائرين.

في جو موبوء بالفسق والفقر يكبر رحال، وتنمو الرواية في محفلين أساسيين، المحفل الأول، الشاعر وفيق الدرعي صاحب كارزيما تعجب المراهقات، والمحفل الموازي له، رحال، وهما من ذات الأحياء الفقيرة، يجاهدان للتعلم والخروج من وضعيهما. يلتقيان في المدرسة الثانوية، والجامعة، لكن كليهما يريد تحقيق ذاته من خلال تدمير منافسه، سواء بتلفيق الحكايات أو إطلاق النعوت الدونية عليه. فرحال يحارب وفيق في خياله، ولا يرى في اقتراب زميلات المدرسة منه إلا لكونه مخنثا، وحينما يحضر أمسية يلقي فيها قصيدة له، وسط صيحات إعجاب المراهقات، و”حين يبدأ بالإنشاد بتلك الطريقة السمجة يتخيله رحال كما لو يتلوى بشكل داعر في مشهد ستربتيز”.

يمتد الصراع إلى المرحلة الجامعية، الضاجة بالصراع السياسي في سبعينات القرن الماضي. فيتهم رحال وفيق بأنه مخبر سري لرجال الأمن، ويشوه سمعته بين الطلاب. وبعد ذلك يتهمه بأنه من الشعراء المطبعين مع إسرائيل، ليتعاطف من بعد مع الإسلاميين في الجامعة لمناكفة وفيق اليساري، فيعلق السارد واصفا رحال بأن “له ذاكرة مخبر لا مؤرخ”. ونكتشف من بعد أن السارد هو ذاته وفيق الدرعي، ينتقم من منافسه، ويرد له الصاع صاعين بعمل روائي. وما أن تخرج رحال من كلية الآداب وقع ضحية للبطالة ولتخيلاته للناس وهم على هيئة حيوانات، ولولا تنازله للزواج من حسنية، وهي بدورها “ضحية اغتصاب سابق لعماد القطيفة مخدومها الحالي في المدرسة، لبقي دون عمل”.

شغله القطيفة كمشرف في ناد للإنترنت، ولأنه خريج كلية، ويملك ملكة التعليق الجيد، فيتم توظيفه من قبل الأمن كمخبر سبيري، ووظيفته الرد على من يتحرش بالحكومة أو ينال منها في مواقع الإنترنت كهوت ماروك وإلفيس بوك براتب شهري. لنكتشف واقعا قاتما نجح السرد في تشكيل عوالمه.

الرواية كتبت بلغة شفافة يغلب عليها الشعر، والتهكم الساخر، ونقدت واقعا لا يرى أبطاله وجودهم في الحياة سوى بتسوية نزاعاتهم، والتعبيرعن ضغائنهم بفضح المسكوت عنه، والتجسس على بعضهم للحكومات المتعاقبة، عبر منظومة اجتماعيّة شديدة التعقيد.

15