هوس الآباء بالتكنولوجيا يجعل الأبناء عبيدا للشاشات

يجتهد العلماء في حث الآباء على عدم الإفراط في استخدام التكنولوجيات الحديثة من أجل أن يكونوا قدوة حسنة لأبنائهم في هذا المجال، وحتى يساهموا في حمايتهم من أخطارها المحدقة بهم.
الثلاثاء 2015/10/13
الأنشطة الترفيهية البديلة تحمي الأطفال من خطر الأجهزة الإلكترونية

اعتبر خبراء في علم نفس الأطفال، أن الزمن قد عفا عن مقولة الآباء المأثورة للأبناء “افعلوا ما نطلب منكم ولا تقلدونا فيما نفعل”، خاصة فيما يتعلق باستخدام التكنولوجيات الحديثة.

وأكدوا أن أسوأ ما في الأمر أن يعطي الآباء الحق لأنفسهم في الإقبال بنهم على المواقع الإلكترونية وعلى مرأى من أطفالهم، عوض أن يكونوا مثالا جيدا يقتذي به أبناؤهم في هذا المجال، ويساهموا عن طريق استخدامهم الرشيد لوسائل التكنولوجيا في الحد من الخطر المحدق بأطفالهم.

وأشاروا إلى أن المعايير المزدوجة التي يتعاطى بها الآباء مع أطفالهم جعلت من الصعب على أغلبهم اليوم ممارسة سلطتهم الأبوية، والطلب بكل مرونة من أبنائهم مراجعة واجباتهم المدرسية، بدلا من الساعات الطويلة التي يقضونها يوميا أمام أجهزة الكمبيوتر لمتابعة المواقع الاجتماعية، لأنهم بكل بساطة لم يكونوا قدوة حسنة لهم في هذا المجال.

وكشفت بيانات مؤسسة “تشايلد وايس” المختصة في دراسات شؤون الأطفال بالمملكة المتحدة، أن العديد من الأطفال ببلوغهم سن السابعة يكونون قد قضوا سنة كاملة أمام الشاشة، ومن المرجح أن يبقوا ثلاث سنوات من أعمارهم على نفس الحال قبل أن يصلوا سن البلوغ.

وبيّن استطلاع للرأي أن ما يقرب من نصف الآباء البريطانيين اعترفوا بأن أطفالهم يقضون الكثير من الوقت أمام الشاشات، فيما لا يرى 43 بالمئة منهم أن الوقت المطول الذي يقضيه أطفالهم أمام أجهزة المحمول والحواسيب والتلفزيون، يمكن أن يؤثر على سلوكاتهم. بيد أنه على العكس مما يعتقدون، فالأبحاث الجديدة، تؤكد أن الأطفال الذين يشاهدون كمّا هائلا من الرسائل العنيفة عن طريق الأفلام أو الإعلانات أو ألعاب الفيديو أكثر عرضة لأن يكونوا عدوانيين، لأن العنف المتلفز يخاطب أكثر من حاسة لديهم.

باحثون يؤكدون أن الأطفال مع بلوغهم سن السابعة يكونون قد قضوا سنة كاملة أمام الشاشات

وحذر الباحث الرائد في علم نفس الأطفال إريك سيغمان من سوء استخدام الآباء للشاشات الإلكترونية في المنزل، مشيرا إلى أن ذلك من شأنه أن يؤثر على الصحة النفسية للأطفال.

ويرى أن استخدام الأطفال المفرط للتكنولوجيات يشتت انتباههم ويؤذي أدمغتهم التي لم يكتمل نموها بعد. وطالب الآباء والأمهات بعدم السماح لهواتفهم المحمولة، بإفساد حواراتهم ولماتهم العائلية. وحذرهم من تفقد هواتفهم الذكية أو بريدهم الإلكتروني أمام صغارهم، قائلا “الأطفال يلتقطون هوس التكنولوجيا من آبائهم”.

وبالرغم من أن جل الآباء يستمتعون بلحظات الهدوء التي يعيشونها عندما يعطون أطفالهم جهازا تكنولوجيا يلهون به، فإن سيغمان يدعو إلى خفض وقت استخدام الأطفال لشاشات الترفيه خارج المدارس بما لا يتجاوز ساعتين في اليوم، وهو المستوى الذين توصي به المنظمات الصحية حول العالم.

ونبّه الآباء إلى ضرورة أن تبقى عيونهم مفتوحة على المحتوى الذي يشاهده أطفالهم على الشاشات، لأن سوء استخدامهم للهواتف والأجهزة الإلكترونية قد يكون له تأثير كبير على صحتهم العقلية، وبالتالي على أدائهم الدراسي.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد حاليا أي دليل قاطع على تأثير شاشات وسائل الإعلام على أدمغة الصغار، إلا أن قلق العلماء يتزايد في جميع أنحاء العالم ووصلت التوصيات في السنوات الأخيرة حد الدعوة إلى منع الأطفال دون سن الثانية من مشاهدة أي شاشات على الإطلاق. وأوصت السيدة الأولى في أميركا ميشيل أوباما، التي قادت حملات لإنهاء البدانة لدى الأطفال، بتقليص مشاهدة الأطفال الصغار للشاشات، مؤكدة على منع الأطفال دون سن الثانية من مشاهدة الشاشات.

خبراء يوصون الآباء بضرورة أن تكون هناك أنشطة حقيقية بديلة تعوضهم عما يفعلونه أمام الأجهزة الإلكترونية

كما حظرت فرنسا بالفعل التلفاز الرقمي الأرضي الذي يستهدف الأطفال دون سن الثالثة، وقامت أستراليا وكندا بإصدار توصيات وتوجيهات استرشادية مماثلة.

وعلى مستوى العالم العربي تحرص دولة الإمارات العربية المتحدة على تنظيم جلسات توعية دورية بالمدارس تشرك فيها التلاميذ والأولياء، وذلك من أجل التوعية بالمخاطر التكنولوجية المحتملة، وتقديم آليات السلامة التي تسهم في تعزيز خدمات حماية الأطفال.

ووفقا لأحدث الدراسات، فإن الأطفال الذين يقضون جل أوقاتهم أمام الشاشات معرضون لمجموعة من السلوكيات المقلقة بما فيها الاكتئاب واضطرابات الأكل وتعاطي المخدرات والغياب المتكرر عن المدرسة.

ولكن مايكل ريتش، مدير مركز الإعلام وصحة الطفل بمستشفى بوسطن، يرى أن الحد من الوقت أمام الشاشات يخلق نوعا من الحرمان لدى الطفل، وهذا من شأنه أن يؤثر سلبيا على حياته الاجتماعية، ولذلك أوصى الآباء بضرورة أن يكون مقدار الوقت الذي يقضيه أطفالهم أمام الأجهزة الإلكترونية أقل ما يمكن، في مقابل أن تكون هناك أنشطة حقيقية بديلة تعوضهم عمّا يفعلونه أمام تلك الشاشات. ودعا إلى ضرورة ألا يكون استخدام الأجهزة الرقمية الوسيلة الترفيهية الأساسية في يوم الطفل، بل مدمجا جنبا إلى جنب مع مجموعة من الأنشطة الأخرى.

ولكن مهما تعددت النصائح الطبية والأبحاث العلمية في هذا المجال، فإن التكنولوجيا ذات الشاشات لم يعد وجودها مقتصرا على الإطار الأسرى، فأغلب المدارس ورياض الأطفال أصبحت تقدم الفصول للتلاميذ الملتحقين بها عبر أجهزة آيباد، وذلك لتسهل عليهم عملية التعليم، خاصة بعد أن أصبحت تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات جزءا من المقرر الذي يدرسونه.

21