هوس "الاصطفاف" يضرب المعارضة المصرية في مقتل

الأربعاء 2016/01/27
ماذا بعد الرئيس

القاهرة - لم يعد بالإمكان أن تمر ذكرى الثورة المصرية، وما سبقها من دعوات للخروج إلى الميادين والتظاهر ضد النظام، إلا بطرح التساؤل حول أسباب اختفاء المعارضة السياسية في مصر، وتحديدا منذ ثورة 30 يونيو 2013، وهو ما دفع بعض القوى إلى محاولة اللجوء للشارع .

وطرح غياب المعارضة عن المشهد السياسي المصري، أسئلة متعددة، أبرزها: إلى من توجه أصابع الاتهام في هذا الشأن، للنظام الحاكم، أو للنخبة السياسية والأحزاب؟

ولم يكن من الغريب أن تنقسم الآراء في هذه المعادلة الصعبة، فهناك فريق يرى أن النظام الحاكم أصبح يقتل بنعومة كل المعارضة في مهدها، لأنه بالأساس يعتبرها من مقدمات هدم الدولة برمتها، حيث يمكن أن تتحول إلى طابور خامس توظفه جماعة الإخوان.

في المقابل، يرى فريق آخر أن الأحزاب أصبحت "هشّة"، ولا قيمة لها، وجميعها يبحث عن مكاسب من الدولة، دون أن يكون هناك طرف قادر على قيادة المعارضة الوطنية.

كمال حبيب، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، يؤيد رؤية الفريق الأول، من زاوية أن النظام المصري لا يتسع صدره للمعارضة. وقال لـ”العرب” إن الحكومة أطلقت بعض الإعلاميين للهجوم على كل من يعارضها، ويقوم هؤلاء باتهامهم بالموالاة للإخوان، وهي كلمة السر لتشويه أي شخصية وطنية، لذلك انسحب من المشهد السياسي كل من يخشى على تاريخه وكرامته.

وأوضح بعض المراقبين أن النظام لجأ إلى تصدير فكرة "ضرورة الاصطفاف الوطني" ضد محاولات إسقاط الدولة، ووظف هذا الخطر الذي تحول إلى "فوبيا" ضد أي صوت من أصوات المعارضة.

ويذكر أن بعض الصحفيين والعشرات من شباب الثورة ما زالوا في السجون، ما يؤكد ضيق الحكومة من الانتقادات التي توجه لها، حتى لو كانت على صفحات العالم الافتراضي.

أجهزة الأمن عليها عن التدخل في عمل الأحزاب، وتنأى عن الحياة السياسية بشكل عام، وتغيير قانون الانتخابات، الذي تسبب في حصول كل حزب على مقاعد هزيلة في البرلمان

وأشار حبيب إلى ما وصفه بـ"خطورة تأميم الحياة السياسية" لأن ذلك يدعم الأفكار المتطرفة، خاصة أن النظام ليست لديه القدرة أو النية في احتواء الحركات الثورية، بالتالي ستنشط خارج النظام، الذي سيحكم عليه بالفشل في احتوائها داخله.

المشكلة في رأي بعض الخبراء أن هناك نخبا سياسية هي التي تبادر إلى اللحاق بركب النظام، من أجل تحقيق المكاسب الشخصية.

عبدالمنعم سعيد، مدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة، لا يتفق مع الرأي السالف ذكره ويقول في تصريحات لـ"العرب" إن التفاف الأحزاب والسياسيين حول النظام، لمواجهة الإرهاب، لا يعني الاتفاق التام مع مختلف توجهاته وتطلعاته، وقد نرى وجها مختلفا عما هو عليه الآن في حال حياد النظام عن المسار الذي يصب في صالح البلاد. وطرح مواقف بعض الأحزاب والقوى السياسية، لا سيما اليسارية منها التي لم تتردد في التعبير عن تحفظها على تحرير سياسات الاقتصاد المصري، والتأخر في اتخاذ إجراءات جادة في ملف العدالة الاجتماعية، كدليل على وجود معارضة لا تتماهى تماما مع النظام.

عبدالغفار شكر، رئيس حزب التحالف الاشتراكي، يرى أن البرلمان يمثل المعارضة الحقيقية في مصر حاليا. ودلل على ذلك في تصريحات لـ”العرب” أن البرلمان عارض النظام في بعض مشروعات القوانين التي عرضت عليه، مثل قانون الخدمة المدنية، برغم أن أغلبية البرلمان مؤيدة للنظام.

كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أظهر امتعاضه من موقف البرلمان الذي عارض قانون الخدمة المدنية، وألمح إلى أن هذا لا يصب في صالح الإصلاح الإداري الذي تريده الدولة. علما أن ذلك لا يعني وجود معارضة حقيقية في البرلمان المصري. ولكن البعض يرحب بهذا الشكل من المعارضة التي تبقى في نظره مهمة ما دامت قادرة على التعاطي مع بعض الملفات خاصة الاجتماعية منها.

وقال شكر: إن ضعف المعارضة نقيصة كبرى في حق الأحزاب المصرية والنخبة السياسية جمعاء.

هناك نخبا سياسية هي التي تبادر إلى اللحاق بركب النظام، من أجل تحقيق المكاسب الشخصية

قال جورج إسحاق مقرر لجنة الحقوق السياسية والمدنية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، "المعارضة الحقيقية الوطنية هي التي تعترض على شيء، وتضع البديل المناسب له". وأقرّ في تصريحات لـ”العرب” بأن هذا النوع من المعارضة غائب عن الساحة السياسية في مصر اليوم، وتحل محله معارضة جوفاء، قوامها السب والقذف والصوت العالي دون الوصول إلى نتائج إيجابية”.

وأضاف “أن التيار الديمقراطي يخطط لأن يكون صوت المعارضة الوطنية، التي تقدم بدائل دائمة للنظام”. لكنه استدرك بأن النظام قد لا يسمح بوجود هذه المعارضة، مشددا على مخاطر هذا التعاطي واصفا إياه بأنه “بذور العنف والتطرف”. ومن جهته ذكر حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، أن المعارضة لم تختف من مصر، واتهم الأحزاب بأنها ضعيفة ومرتبكة، محملا إياها مسؤولية ضعف دور المعارضة.

والحل من وجهة نظره، أن تبتعد أجهزة الأمن عن التدخل في عمل الأحزاب، وتنأى عن الحياة السياسية بشكل عام، وتغيير قانون الانتخابات، الذي تسبب في حصول كل حزب على مقاعد هزيلة في البرلمان، معتبرًا أن ضعف الأحزاب يصب في صالح الإخوان.

وقال نافعة "البرلمان الجديد أريد له أن يكون مؤيدًا للرئيس، بتشكيل تحالف برلماني يسيطر عليه المال السياسي، وذلك سيؤدي إلى كارثة". وشدد على ضرورة أن يتبنى الإعلام المعارضة الوطنية، ويبتعد عن هوس الاصطفاف الوطني، حتى لا يتم اتهام أي معارض للنظام والحكومة بتبني فكر الإخوان.

وفي الأثناء هناك من يرى أن عدم تدخل الأجهزة الأمنية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة كان سينجر عنه تشكيل "برلمان ضعيف" يصب في صالح الإخوان، وأن تدخلها الاسترشادي أقل وبالا لو كانت قد نأت بنفسها، وتركت الأمور لأهواء الأحزاب الضعيفة.

6