هوس التعقيم يعرّض الأطفال للإصابة بالأمراض الخطيرة

على عكس ما يعتقد الآباء، اللعب في التراب والرمل والوحل والتقاط الأكل من الأرض لا يشكل خطرا على صحة الطفل، وتعريضه للأماكن الملوثة التي تتكاثر فيها البكتيريا والجراثيم يمكن أن ينشط مناعته ويعزز جاهزيتها لأن ذلك يكشف ماهية هذه الكائنات الصغيرة ويسهل عملية التعرف عليها لاحقا ومحاربتها والقضاء عليها. بينما في حال الإفراط في تعقيم البيت والمدرسة وكل بيئة الطفل، يتعود جسمه على الخمول والسلبية. وهذا من شأنه أن يعرضه للإصابة بأمراض شديدة الخطورة.
الاثنين 2015/11/09
اللعب في الطبيعة ينشط المناعة ويقويها

وقاية الطفل وحمايته من البكتيريا والجراثيم المنتشرة في كل مكان ليست مهمة سهلة بالنسبة إلى الكثير من الأمهات اللاتي يبذلن قصارى جهدهن لإبعاد الطفل عن أي مصدر قد يجلب له العدوى خاصة في ظل خوفهن الشديد من ضعف مناعته وعدم قدرة هذا الجهاز المناعي على التصدي للكثير من الأمراض، الأمر الذي يدفع بهن إلى المبالغة الشديدة في تعقيم المنزل وجميع الأدوات التي يستخدمها الطفل، بل هناك من تحول الأمر معهن إلى أشبه بالفوبيا إذا حاول الطفل لمس الأرض أو التقاط أي شيء منها أو التعرض لأي أماكن قد تنمو فيها الميكروبات والبكتيريا.

ورغم توصيات الأطباء بضرورة حماية الطفل ووقايته من أنواع الميكروبات والبكتيريا المختلفة نظراً لضعف المناعة التي قد لا تؤهله في جميع الأوقات للتصدي إلى مثل هذه العدوى، إلا أن دراسات حديثة حذرت من الإفراط في النظافة وهوس التعقيم الذي يسيطر على الكثير من الأسر تجاه أطفالهم، مشيرة إلى أن تعرض الأطفال للميكروبات والبكتيريا يقوي جهاز المناعة بشكل طبيعي على عكس ما هو سائد.

وقد ذكر أن رمي الطعام على الأرض ومن ثم التقاطه ووضعه في الفم، عادات كثيرا ما يقوم بها الأطفال، ويختلف رد فعل الأهل حول هذه العادة، إذ يسرع البعض لمنع أطفالهم من تناول الطعام المرمي على الأرض، فهو بالنسبة إليهم مضر بالصحة لوصول الجراثيم والبكتيريا إليه.

ووفقا لما ورد في موقع فوكوس الألماني فإن المعدة تنظف ذاتها، وهو ما أكده الكثيرون من أخصائيي أمراض المعدة والجهاز الهضمي أيضا، ومن بينهم سيباستيان هاغ من الجمعية الألمانية لمكافحة أمراض المعدة والأمعاء، الذي قال إن “الأحماض الموجودة في المعدة قوية جدا، ما يجعلها قادرة على قتل جميع البكتريا الموجودة داخلها”.

ويعني ذلك أن الأحماض الموجودة في المعدة هي عبارة عن واقيات طبيعية لحمايتها. وبحسب الطبيب هاغ فإنه من الممكن زيادة فعالية هذه الأحماض في السنوات الأولى من العمر وذلك بتدريب الجهاز المناعي للأطفال في السنوات الأولى، وبذلك يصبح الجسم معتادا على الكثير من أنواع البكتيريا.وأضاف الموقع أنه لا داعي للقلق إذا تناول الأطفال قطعة خبز كانت ملقاة على الأرض.

الأطفال الذين يعيشون في الدول الفقيرة تتمتع أجسامهم بأجهزة مناعية أقوى من الأطفال في الدول المتقدمة

وينصح الطبيب هاغ بالابتعاد عن استعمال مواد التعقيم بكثرة لدى الأطفال، فالبكتيريا يمكن أن تقوي مناعة المعدة، فضلا عن أن هناك بعض المواد المفيدة الموجودة على الأرض تفيد في علاج قرحة المعدة.

ويضيف “تكثر المعادن المفيدة الموجودة على الأرض مثل المغنيسيوم والألمينيوم وهي معادن تعزز واقيات المعدة من الجراثيم والبكتيريا”.

وقد سبق أن أكدت دراسة أجراها باحثون بجامعة مونتريال بكندا أن المبالغة في الاهتمام بنظافة الطفل تؤدي إلى إضعاف الجهاز المناعي لديه. فقد لاحظ المتخصصون في الطب الوقائي زيادة معدلات إصابة الأطفال في الدول المتقدمة بالأمراض التي ترتبط بضعف مناعة الجسم مثل الربو، والحساسية، والتهابات الجلد مقارنة بمعدلات الإصابة بتلك الأمراض لدى أطفال الدول الفقيرة.

وقد فسر الباحثون أيضا زيادة نسبة الإصابة بين أطفال الدول المتقدمة وقلتها لدى الأطفال الذين يعيشون في الدول الأكثر فقرا إذ تتمتع أجسامهم بأجهزة مناعية أقوى من الأطفال في الدول المتقدمة، نظرا لأن أجسام أولئك الأطفال محاطة بالملوثات والبكتيريا مما يساعدها على التكيف معها والوقاية منها.

كما ذكرت مجلة لكسبريس الفرنسية أن الدراسة التي أجراها الباحثون الكنديون أثبتت أن كثرة علاج أطفال الدول المتقدمة بالمضادات الحيوية والمبالغة في تنظيف البيئة المحيطة بهم أمر يجعل أجسامهم فريسة سهلة لغزو الميكروبات، على عكس الأطفال في الدول الأقل تقدما.

الميكروبات التي تعيش في الأمعاء واللعاب والتي تساعد على تسهيل عملية الهضم والقضاء على العديد من الميكروبات الخطيرة الحاملة للأمراض

وتؤكد الدراسة على أهمية أن يتعرض الجسم لبعض الميكروبات، فليست كل الميكروبات ضارة، بل هناك ميكروبات تفيد الجهاز المناعي، مثل الميكروبات التي تعيش في الأمعاء واللعاب والتي تساعد على تسهيل عملية الهضم والقضاء على العديد من الميكروبات الخطيرة الحاملة للأمراض.

كما سبق أن أشار دكتور ألبرتو يوغازيو رئيس قسم طب الأطفال في مستشفى بامبينو جيسو في روما، إلى أن تعرض الأطفال للميكروبات والبكتيريا يقوي جهاز مناعتهم. وأكد أن الإفراط في النظافة الشخصية شيء سلبي، وأن 3 من بين 10 أطفال يعانون الآن من أحد أنواع الحساسية بسبب النظافة الصحية المفرطة التي يوفرها لهم آباؤهم.

وأوضح يوغازيو أن الآباء والأمهات الذين يغسلون أطفالهم يومياً يحرمونهم من المناعة الطبيعية ضد الأمراض، داعياً إياهم للقيام بذلك مرتين أسبوعياً فقط وتقديم اللقاحات الضرورية لهم في الأوقات المناسبة.

ولم يتفق د.أمير الفقي، طبيب الأطفال وعضو الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، مع نتائج هذه الدراسات بشكل كامل، إذ أوضح أن نتائجها غير مقبولة من قبل المجتمع الطبي ومن الكثير من الأسر التي تحرص على النظافة العامة. فلا يمكننا القول بعدم الحرص على نظافة الطفل وعدم تعقيم المنزل والأدوات التي يستخدمها كي يتعرض للميكروبات وتقوى مناعته، لأن تعرضه لهذه الميكروبات والجراثيم الحية لا يعزز المناعة لديه ويقويها إلا بعد إصابته بعدوى هذا الميكروب والذي قد يتعرض من خلاله للإصابة بأمراض معدية خطيرة.

وأشار الفقي إلى أنه من الأفضل أن يتعرض الطفل لهذا الميكروب لكن ميتاً في صورة تطعيمات ولقاحات، على سبيل المثال تطعيمه بميكروب مرض الجدري.

17