هوس الرشاقة يصيب الصغار أيضا

مشكلة البدانة أو مظهر الجسم لم تعد تؤرق الكبار، بل إن الصغار أيضا أصبحوا يعانون من وسواس البدانة مع تأثرهم بإعلانات التلفزيون أو بثقافة الوالدين وممارساتهم.
الأحد 2018/08/05
من تقل أعمارهم عن الثامنة يراقبون أوزانهم كثيرا

الخوف من شبح البدانة يطارد الصغار أيضا ويجعلهم يعيشون في ضغط مستمر، طوال الوقت، للوصول إلى مستوى الرشاقة واللياقة الذي يرونه مثاليا. يتأثر الكثير من الأطفال والمراهقين بهوس الوالدين بالرياضة والأنظمة الغذائية القاسية ويقلدون حماسهم وحرصهم الدائم على أكل القليل من الطعام وهم لا يدركون أن في ذلك خطرا شديدا على توازنهم ونموهم

القاهرة - لم تعد مشكلة البدانة أو مظهر الجسم تؤرق الكبار، بل إن الصغار أيضا أصبحوا يعانون من وسواس البدانة؛ حيث يتأثر الأطفال كثيرا بإعلانات التلفزيون أو بثقافة الوالدين وممارساتهم اليومية في ما يتعلق بالأكل ومستوى النشاط والحركة. فلماذا يعاني الأطفال من هذا الوسواس أو الإحساس القهري بالخوف من البدانة؟

تقول سامية المرشدي، أخصائية اجتماعية: مشكلة الخوف من البدانة أصبحت ظاهرة طبيعية بين الفتيات والبنين في المدارس والنوادي وأحاديث التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت.

وقد فوجئت بابني عمر، الذي يبلغ 11 عاما، يقترح أن يتبع نظاما غذائيا لأنه رياضي ويخاف من البدانة، وتعجبت من موقفه لأن جسمه لا يزال نحيفا وهو متعود على الذهاب إلى النادي لممارسة بعض التدريبات الرياضية مع زملائه. وتعجبت من موقفه لأنني ووالده لا نعاني إطلاقا من السمنة أو البدانة، بل نحن الاثنان في الأربعينات من العمر ونتميز بالنشاط والحيوية، وليس لدينا أي نوع من أنواع البدانة المفرطة.

أما هدى سامي، ربة منزل، فتوضح “نعم أطفالنا يعانون من وسواس البدانة فابنتي في الـ15 من عمرها تعاني من وزن زائد يجعلها دائما تخجل من الآخرين وتبذل جهدا في مراكز الجيم للعمل على إنقاص وزنها، رغم أنها لم تصل بعد إلى مرحلة صعبة في البدانة. وهي تسعى بكل الطرق لإنقاص وزنها وترفض أن تأكل كثيرا وأحيانا لا تستخدم المصعد وتفضل الصعود على الدرج، لتجهد نفسها، على أمل أن يساهم ذلك في إنقاص وزنها”.

يقول سلامة عبدالمعز أستاذ الطب النفسي إن وسائل الإعلام لها تأثير كبير على الأطفال اليوم، حيث أصبح الأطفال يخضعون لتأثيرات التلفزيون على نطاق أوسع من أي وقت مضى.. كما أصبحوا شهوداً على أحاديث الكبار الذين يطاردهم وسواس التخسيس والرشاقة وممارسة التمارين..

 باختصار، أصبح طفل اليوم يجد نفسه مطالبا بالخضوع لمقاييس الجمال والرشاقة العصرية التي نادرا ما اهتمت بها الأجيال السالفة؛ فقد أظهرت دراسة حديثة أن من بين أطفال الحادية عشرة، هناك 60 بالمئة من الفتيات و31 بالمئة من الصبيان يرغبون في إنقاص أوزانهم.

من بين أطفال الحادية عشرة، هناك 60 بالمئة من الفتيات و31 بالمئة من الصبيان يرغبون في إنقاص أوزانهم

ويضيف “لقد اكتشفنا أن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الثامنة يظهرون اهتماماً كبيراً بمراقبة أوزانهم.. على سبيل المثال – لا الحصر- لفتت انتباهنا حالة عمر ذي الحادية عشرة سنة، الذي كان يحرص على صعود درجات السلم المئات من المرات يومياً للتخلص من نظرات السخرية في عيون زملائه بسبب حجمه الثقيل، ولم يتوقف عمر عن فعل ذلك إلا بعد أن انهار ونقل إلى المستشفى بسبب فقدانه كما كبيراً من الوزن.

 كما لفت انتباهنا حديث الطفلة إنجي ذات العشر سنوات التي تؤكد أن الحديث عن شكل الجسم هو من أكثر الأحاديث شيوعاً بين التلميذات في فصلها. هذا بالإضافة إلى إصرار الفتيات على تصنيف الأخريات في فئات “البدينة” و”الرشيقة” و”النحيفة” والبحث عن طرق فقدان الوزن.

كشفت الدراسات الأخيرة أن هناك بعض الأمهات اللاتي يعترفن بأنهن مسؤولات، وبشكل مباشر، عن اهتمام بناتهن المفرط بأوزانهن.. مما انعكس على تفكير الصغار. ويرى الأطفال أمهاتهم وهن يتبعن نظما غذائية قاسية بحثا عن الرشاقة، فيظنون أن الرشاقة من دلائل النضوج، وأن الوصول إلى القوام الرشيق دليل على المهارة والتفوق، وعندما يصل تفكير الطفل إلى هذه الدرجة، يصير مهددا بمعرفة الحقيقة التي نعرفها جميعاً وهي: أهمية الدور الذي تلعبه الرشاقة، أو المداومة على إتباع الدايت، في كسب تقدير الآخرين، وما يضفيه ذلك على “الكبار” من قوة وتميز.

ويرى عبدالرحيم سرور، استشاري علاج البدانة وخبير التغذية الصحية، أن اهتمام الأطفال بشكل قوامهم وصورتهم في المرآة قد زاد، وكل يوم يرد على عيادتي العديد من الأطفال الذين تبلغ أعمارهم حوالي السادسة، وقد لاحظت أن عدد الأطفال الذين يعانون من الآثار الصحية السلبية للدايت يتضاعف كل عشر سنوات.

 وهؤلاء الأطفال يعتبرون ضحايا لما يرونه على شاشات التلفزيون وعلى صفحات المجلات من تجسيد للجمال والرشاقة في صورة عارضات يعانين من الهزال.. بينما تلعب الأسرة دوراً مهماً في تعميق الفكرة في ذهن الطفل؛ فهو يرى والديه يمارسان الرياضة أو يذهبان إلى المراكز الرياضية بانتظام، ويشاهدهما وهما يأكلان الفاكهة والأطعمة منزوعة الدسم، فيقلدهما ويتناسى الوالدان

شروط الغذاء الصحي المتوازن الذي يلزم الصغير في مراحل النمو المختلفة، ومن أهمها احتواء غذائه على نسبة الثلث من الدهون.

ينصح عبدالرحيم الآباء والأمهات بعدم التحدث عن الرشاقة والأنظمة الغذائية الخاصة بتخفيض الوزن أمام أطفالهم، فهم لا يدركون أن السعرات الحرارية – التي يسعى الكبار إلى فقدها – تحتاجها أجساد الصغار من أجل النمو السليم.

شعور الأطفال أن وزنهم زائد يجعلهم أكثر عرضة للسمنة
شعور الأطفال أن وزنهم زائد يجعلهم أكثر عرضة للسمنة

 أما إذا ذهبت جميع هذه الجهود أدراج الرياح، ولاحظ الوالدان أن طفلهما، يبدي قلقا زائدا تجاه قوامه أو حجمه أو أنه يتحدث عن وزنه بصفة مستمرة، أو يتعمد اعتزال أصدقائه وأقاربه أو يختلق الأعذار لعدم تناول الطعام، فمن الضروري عرضه على طبيب أو أخصائي نفسي للبحث عن السبب الحقيقي الذي يقف خلف هذه السلوكيات.

كما وجدت دراسة سابقة أن شعور المراهقين أن وزنهم زائد يجعلهم أكثر عرضة للسمنة، وهو يرجع للعامل النفسي والتفكير كثيراً أنهم ثقيلو الوزن، ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة فعلياً بالسمنة.

وذكر موقع “هلث داي نيوز″ الأميركي أن الباحثين بالجامعة “النرويجية للعلوم والتكنولوجيا”، وجدوا أن المراهقين الذين يفكرون بأنهم ثقيلو الوزن هم الأكثر عرضة فعلياً للإصابة لاحقاً في بداية سن رشدهم للسمنة.

 وقال الباحثون إن دراستهم التي هي الأولى من نوعها التي تنظر بتحديد العلاقة بين الوزن المتصوّر والوزن الحقيقي على فترة عدة سنوات، وجدت أن النظرة السلبية تجاه شكل الجسم تلعب دوراً مهماً في الدفع بالمراهقين إلى السمنة. ومن بين الإناث والذكور الذين يتمتعون بوزن طبيعي كمراهقين لكن يشعرون بالسمنة، هناك 59 بالمئة من الإناث يصبحن زائدات الوزن بعدها كنساء، و53 بالمئة من الذكور يصبحون زائدي الوزن كرجال.

 وقال الباحث المسؤول عن الدراسة كونراد سوبيرز “إن اعتبار نفسك زائد الوزن، يزيد الفرص بمعاناتك حقا من هذه المشكلة”. وأضاف “نظن أن هذا الشيء مرتبط بالمثالية بشأن الأجسام.. عليك أن تكون نحيفاً لتنجح. هذا هو المثالي”.

وهذا الموقف يجعل المراهقين يقولون لأنفسهم دائماً بأنهم ليسوا نحيفين بما فيه الكفاية.

وتحدثت دراسات أخرى على إصرار الوالدين، أحيانا، على دفع أطفالهم عنوة إلى إتباع نظام غذائي قاس وممارسة الكثير من الأنشطة والتمارين الرياضية في سن صغيرة، للتقليل من بدانتهم المفرطة.

ففي دراسة أجريت في بريطانيا لمدة ثلاث سنوات حول الأنوريكسيا المبكرة أظهرت النتائج أن واحدًا من كل عشرة أطفال أُجبروا من قبل ذويهم على التنحيف بسبب زيادة في الوزن عانوا من علامات الأنوريكسيا، وتم نقلهم للمشافي من أجل المعالجة.

وقد تراوحت أعمار هؤلاء الأطفال بين خمس وسبع سنوات. وأضافت الدراسة -التي شملت لقاءات مع أطباء من 35 مستشفى في بريطانيا- أن الأطفال الذين أجبروا على إتباع أنظمة غذائية صارمة للتنحيف من قبل الأبوين تشكلت لديهم عقدة الخوف من تناول مواد غذائية، وتحول ذلك إلى هوس؛ خوفًا من عقوبة الأبوين.

18