هوس "الرواد" وابتسامات "الملعونين"

الأحد 2013/10/27

ماذا يمكن لامرئ خبر مجتمع الشعراء العرب على مدار نحو من عشرين عاماً أن يكتب لما يُسال أن يقدم رأيه في ما يسمى بفكرة الريادة؟

أحياناً يخيّل إليَّ أن كل ما فعلته الممارسة النقدية العربية ومعها الشفويات الجائلة بين الشعراء والنقاد العرب، بصدد موضوعة الريادة أنها كرّست فكرتها بصفتها علامة إطلاقية طاغية في الزمن. علامة لا تخضع لنسبية الأشياء، زمنية ولا زمنية معاً، فهي أشبه بالأسطورة التي لا تدين لمنطق غير منطقها المرتبط بها، ولا يؤثر فيها زمن غير زمنها اللازمني. شيء مؤبّد!

كأن الشاعر الذي ابتكر جديداً في زمن، وجاء بما لم تستطعه الأوائل، إنما جبّ بجديده ما قبله وما بعده، فلا أمل يبقيه لمن يمكن أن يأتي من الشعراء وفي همته أن يضيف جديداً ويكون رائداً بما قد يضيف.

إن تفكيراً كهذا هو عين الخطأ فهو يوحي بأن الحياة عقيمة ويمكن أن تتوقف عند حدّ، وأن الجديد في منعطف من الزمن هو كل الجديد، فهو باهرٌ إلى الأبد وصاحبه رائد إلى ما لا نهاية.

ولا يمكن لمثل هذا التفكير الخرافي أن يميّز أفكار الناس في مجتمعات تؤمن بأبسط سنن التطور، وحركيّة الزمن، وغنى المخيلة البشرية التي أبدعت الجديد على مدار الزمن، ولكنه يمكن أن يميّز المجتمعات الخاضعة لطغيان اللون الواحد والصوت الواحد والحاكم الواحد، الكافرة بالإنسان، المحتقرة لهمّته، والمعادية للتطور، وكذا لفكرة الحرية.

وقد تكون مجتمعاتنا العربية بما يسودها من مراوحة حضارية، ونكوص في مخيّلة أبنائها، من بين أكثر مجتمعات العالم المنطوية على ما أنجز السلف لها، ديدنها التعصب لمنجزها، والخوف من الجديد. فهي تهوى الركون إلى ما ألِفَتْ، ويقلقها أن تفاجأ بجديد يربك كسلها الذهني بسؤاله، ويهزّ بملامحه الغريبة مشهد عينها الناعسة.

فما يمور ويتدفق في الجديد يجعل الثابت متقهقراً في ثباته، وممتحناً أمام فكرته الغاربة. والآخذ بالثبات هو المطمئن إلى هزيمته الحضارية أمام الزمن، فالزمن يتحرّك وهو يتفرّج بحياد من لا وجود له، فهو من أبناء الماضي، ما دام لا يعنيه أن يستجيب لدواعي الحركة. ومثل من يأنس الماضي مثل العبد الذي أنس قيده إلى أن نسي ألم القيد ونسي حرّيته، وبات في انسجام مع حالته، فإذا ما هبّت أنسام الحرّية التي بات يجهل كنهها دبّ فيه الرعب وخاف أن يخسر قيوده.

وعندي أن خطأ الذين فّكروا بالريادة أنهم كانوا، أكثر الوقت، ماضويي التفكير فاعتبروها علامة ثابتة الحضور وأبدية القدرة، بينما يمكن لمن يؤمن بحقيقة أن نهر الزمن لا يكف عن الجريان أن تكون الريادة له مجرّد علامة في زمنٍ، لينصرف البحث نحو جوهر الأشياء، أعني طبيعتها العميقة، حيث يمكن للنسبي في الحياة أن يكون له ملمحٌ استثنائي وخاص في الفن، وأن يكون هذا الملمح متغيّراً واستثنائياً في كل عصر.

لقد تناقضت فكرة الريادة وتجلياتها في الخطاب الثقافي العربي مع الحداثة وتجلياتها في الجمال الفني بالحدّة نفسها التي تناقضت فيها مغامرة التجديد مع واقع لا هم له إلا أن يأبى ويمانع ويعاند لشدّة تعلقه بالمنجز، أعني بما فات.

جماليات الحداثة تضرب في فكرة الاختلاف والنسبي، وتقترح الملامح المتعددة والمتحرّكة للوجود والإنسان، والريادة في تجلياتها العربية تضرب في الثابت الذي لا يتزحزح إلا بالإنقلابات، فإذا ما نجحت وفرضت وجوهاً جديدة، عادت هذه الوجوه لتكرّس بأعمالها مقولات مشدودة إلى ماضٍ ما، وهكذا تتغيّر الوجوه وتتكرر الأفعال. هكذا تحول الرائد في الأدب والفن إلى ديكتاتور عربي في نمط وعيه، وفي مسلكه الفكري، فهو صاحب مقولة حديثة تفتقر إلى مسلك حديث، ديدنه أن يكون طليق اليد والقدرة واللسان، لكن فكره أسير، ونصّه أسير. وحتى عندما يكون نصّه (الشعري الحديث) وليداً ومولّداً لجماليات جديدة من طبيعتها أن تقرّ بالنسبي، فإن فكره ورؤاه لا يكفّان عن التعارض مع الطبقة الخام من تكوينه المغامر. إنه المبدع العربي الحديث المغلول إلى صخرة الماضي، شخصية مأسوية مشروخة التكوين ومقتتلة في ما بينها.

هكذا نجد أن رواد الخمسينات والستينات الذين خاضوا المعارك الشرسة دفاعاً عن جديدهم في الشعر والأدب باتوا أول من يضيق نَفْساً بمآلات التحديث والتجديد، لقد أحالتهم التناقضات الفادحة التي أسست للعلاقة بين وعيهم ونصوصهم، وبين نصوصهم ورؤاهم، وبين ممارستهم الشعرية وممارستهم الإجتماعية، وبين طموحهم الجمالي وواقعهم الإنساني إلى أعداء ألدّاء للجديد، وإلى أناس خائفين من كل ما يمكن أن يأتي بعدهم، فالريادة لهم علامة ثابتة في زمن ثابت، كالزمن التراجيدي في المأساة الإغريقية، وليست فاصلة مضيئة في أزمنة التحول.

واليوم، فإن الابتسامة الساخرة المشرقة هنا وهناك على شفاه الشعراء الجدد الملعونين، وذاك اللمعان الطفولي لأرواحهم المتمردة، وقد أضاء عيونهم كلما ترددت هذه الكلمة (الرواد)، هو الجواب الأكثر، حقيقية وافتضاحاً عن انقضاء ما انقضى وموت ما مات.

ماتت الريادة العربية الواحدة هي ورسالتها الخالدة، فهي لم تتأسس (كما في وهم أصحابها) إلا في الخمسينات والستينات، فكانت نقطة البدء والختام! ولكونها لم تتمكن من أن تكون فاصلة في زمن متحول، نسبي، إنساني، أرضي، ها هي ترتفع اليوم إلى مقاعدها السماوية مع أنفاس أصحابها!

ما بقي يشفع للشعر، ونهره المغامر أن ماءه لا يكف عن الجريان ورواده لا يتوقفون عن الولادة، وإلا فلن يبقى لنا ما نتكلم عنه إلا الشعراء الموتى.

لذلك الأسلم لنا أن نقول بريادة الجماليات الجديدة بدل ريادة الشعراء الذين "لا يتقادمون"، ونقول بالقصيدة الرائدة بدل الشاعر الرائد، لنحتفظ منهم بشيء، ليكون لنا من الرواد منذ الملك الضليل وحتى شعراء الخمسينات والستينات، وما قبلها وما بعدها، شيء يبقى، شىء جميل أن يبقى!

11