هوس لغوي

السبت 2015/10/24

في سنة 2001، كنت مدعوا، من طرف بيينال اللغة الفرنسية، للإسهام في أمسية شعرية بالمكتبة الوطنية بأوتاوا الكندية. أصررت، قبيل بداية الحفل، على قراءة قصائدي بالعربية أولا، وهو ما رفضته بشدة الهيئة المنظمة. غير أنها ستنتهي مرغمة بقبول الأمر حينما لوح بقية الشعراء المنتمين لمنطقة الكيبك بالامتناع عن الصعود إلى منصة القراءات. حينها قرأت بنشوة الانتصار، أمام مشاركين جاؤوا من دول الفضاء الفرونكفوني للتفكير في طرق نشر لغتهم على حساب اللغات المحلية الأخرى.

أتذكر موقف الشعراء الكيبكيين المعروفين بتعصبهم للغة الفرنسية، وهم يعبرون بذلك عن كثير من التسامح والانفتاح على لغتنا، وأنا أحاول استيعاب دواعي هذا الحب الذي أصبح يبديه العديدون تجاه الدارجة المغربية، إلى درجة صاروا يلوحون بها كبديل مفترض للغة العربية. ويبدو أن المدخل لفهم هذه الدواعي يكمن في العودة إلى أصحاب هذا الخطاب أنفسهم، إذ أن ما يجمعهم أنهم ينتمون إلى عوالم الإشهار والمال. وبذلك فهم لم يأتوا إلى هذا الموضوع من مراكز البحث اللغوي أو الأكاديميات اللغوية، وهي المؤسسات المؤهلة علميا للتفكير في ما إذا كان علينا أن نتحدث بالدارجة المغربية أو بالصينية. أما دعوتهم فتقوم أساسا على تحقيق تصالح المغاربة مع الدارجة وتذهب، أبعد من ذلك، إلى اعتبار إقرارها على مستوى التعليم شرطا للالتحاق بمجتمع المعرفة والمعلومات.

والحقيقة أن علاقة المغاربة بلهجتهم، كما هو الحال بالنسبة لبقية المجتمعات العربية، لم تكن يوما ما موضوع خصومة. بل عاشوا السفر بين العربية والدارجة بشكل حقق كثيرا من الثراء على مستوى ثقافتهم، سواء المكتوبة منها أو الشفاهية.

كان من علامات ذلك العدد الكبير لشعراء القصيدة الزجلية. وقد كان من بينهم عدد من السلاطين، كعبد الله بن إسماعيل ومحمد بن عبدالله والمولى عبدالحفيظ، الذي ينسب له ديوان شعر، طبع بالمطبعة الحجرية في فاس، وضمّ قصائد زجلية، أغلبها في الغزل. وذلك بالإضافة إلى عدد من المؤلفين الذين كتبوا القصيدة الزجلية بنفس العشق الذي أنتجوا به مؤلفات خالدة باللغة العربية، ومنهم، على سبيل المثال، الضّعيف، صاحب كتابه الشهير في التاريخ، الذي يعرف باسمه، وقد كتب قصيدة جميلة عن الشطرنج، سنة 1811.

أما إذا كان علينا بالفعل أن نعيد هيكلة مشهدنا اللغوي فستكون الفرصة مناسبة أيضا لإعادة النظر في الفرنسية كلغة ثانية معتمدة داخل المغرب. وقد يكون من المنطقي اختيار اللغة الإنكليزية، وهي لغة الإنتاج العلمي ولغة الاقتصاد ولغة المعرفة الكونية ولغة الإبداع والأحلام الكبرى.

وقد لا يسع المجال لاستحضار الكثير من الإحصائيات التي تكشف عن الحضور الكبير لهذه اللغة، وأيضا عن التراجع الذي تعرفه الفرنسية، وهو تراجع ذهب إلى درجة تصنيفها، حسب تقارير علمية، سنة 2013، التاسعة عالميا، في ما يخص استعمالها على مستوى الإنترنيت، بينما عادت المرتبة الرابعة إلى اللغة العربية، التي يلوّح البعض بوفاتها.

كاتب من المغرب

17