هوغيت كالان ابنة بشارة الخوري أول رئيس للبنان رسامة بمزاج خاص

الأحد 2017/06/18
هوغيت كالان طفلة مرحة تجاوزت الثمانين

لندن - من بين 15 شخصا نالوا تكريم الجامعة الأميركية ببيروت لم تسبقها سوى إيتل عدنان إلى نيل وسام الجامعة من مرتبة الشرف.

ابنة أول رئيس للجمهورية اللبنانية المستقلة بشارة الخوري تأخرت كثيرا في الإعلان عن موهبتها رسامة بمزاج أسلوبي خاص ساعدها على أن تملأ مكانها بين صفوف أفراد جيلها الذي سيطرت عليه نزعات العالمية فحررته من تراث الرسم الكلاسيكي.

القادمة من العالم

هوغيت كالان نالت اعترافا عالميا قبل أن يتم الالتفات إليها لبنانيا بالرغم من أنها كانت قد أقامت معرضها الشخصي الأول في لبنان قبل أن تغادره. غير أن زواجها من فرنسي في العام نفسه الذي أقامت فيه ذلك المعرض وهجرتها إلى فرنسا ومن ثم انتقالها في ما بعد إلى الولايات المتحدة قد أدى إلى غيابها عن المشهد الفني اللبناني مؤقتا.

كالان التي عُرفت في البدء برسومها ذات الطابع الإيروتيكي، حيث شغل الجسد بإيحاءاته الشهوانية الجزء الأكبر من عالمها طافت في العالم لتعود إلى بيروت رسامة تجريدية، لكنها في الحالين أبقت على الخيط الذي يقود إلى مرحها. تنظر إلى رسومها فتقول لنفسك “تلك رسامة سعيدة”.

ولأن السعادة صفة نادرة في رسوم فناني العالم العربي فإن النظر إلى رسوم كالان يعتبر مناسبة لا تُنسى. فحين عرضت رسومها في آخر معارضها وهي في سن الرابعة والثمانين كان هناك الكثير من اللعب الذي يوحي بأن مَن تقف وراء تلك الرسوم هي فتاة تسعى إلى إشاعة جو من الفرح الراقص بين زوارها.

كالان هي تلك الفتاة التي لا تكبر.

مبكرا شغفت بعالم النساء المختلف بكل ما ينطوي عليه ذلك العالم من أسرار، قد يؤدي الإعلان عن بعضها إلى امتزاج الدهشة التي تنتج عن صدمة مفاجئة بالضحك الخجول الذي يتستر على شعور بالحرج.

كانت كالان رائدة في نسويّتها وهو ما لم تكن الثقافة العربية على استعداد للقبول به في حينه.

الفنون كلها لكن بأنوثة

ولدت هوغيت بشارة الخوري ببيروت عام 1931. بدأت الرسم في سن السادسة عشرة تحت إشراف فرناندو مانيتي، وهو فنان إيطالي كان يقيم في لبنان. لم تدرس الفن إلا في سن الثالثة والثلاثين وذلك في الجامعة الأميركية ببيروت. أنهت دراستها عام 1968 لتقيم معرضها الشخصي الأول عام 1970 في “دار الفن والآداب” وهي القاعة التي صارت في ما بعد تحمل اسم صاحبتها جانين ربيز المكان الذي حرصت هوغيت على عرض أعمالها فيه وذلك بدءا من عام 1993 وحتى اليوم.

فضاءات حرية وبصمات تمرد

في سنة معرضها الشخصي الأول تزوجت هوغيت من فرنسي وحملت من يومها اسمه وسافرت معه إلى باريس. بين باريس ولوس أنجلوس حيث كانت تقضي معظم وقتها طورت كالان تجربتها الفنية بما ينسجم مع ثقافتها وسعة اطلاعها على تحولات الفن في العالم، وهو ما فتح لها أبواب القاعات الفنية الأميركية والأوروبية وصولا إلى إقبال المزادات الفنية العالمية مثل سوثبي وكريستيز على الترويج لأعمالها.

عام 2013 أقيم لكالان معرض استعادي بمركز بيروت للمعارض ضم نماذج من مختلف مراحلها الأسلوبية عبر خمسين سنة من الممارسة الفنية التي توزّعت بين الرسم والنحت والنسيج وتصميم الأزياء حيث سبق لها التعاون مع دار بيار كاردان. كان هناك أكثر من 200 عمل فني تمت استعارتها من مقتنييها. في سن الرابعة والثمانين أقامت آخر معارضها الشخصية.

في المعرض الاستعادي الذي نظمته عام 2013 نادين بكداش مديرة قاعة جانين ربيز بالتعاون مع بريجيت وهي ابنة الفنانة تم التركيز على ثلاث مراحل أسلوبية أساسية في سيرة هوغيت كالان الفنية الغاصة بالتحولات. ربطت تلك المراحل بالأمكنة التي أقامت فيها الفنانة. وهو ما يعني أن الفنانة كانت شديدة التأثر بالمكان وهي تجدد فنها كلما تغيرت سبل العيش التي تحتضنها وطرق التفكير المتاحة.

أساليب مسافرة بين المدن

في الرحلة التي سميت بالكسليك (بلدة لبنانية) التي تمتد بين سنتي 1964 و1970 وهي مرحلة البداية ركزت هوغيت على الجسد في تجلياته التي يمتزج فيها المرح بالشهوة.

وفي مرحلة باريس (1987-1970) التي شهدت انفتاح الفنانة على صداقات شعرية وفنية فقد كان للحوار الثقافي متعدد الاتجاهات الذي خاضته مع محيطها أكبر الأثر في فنها الذي صار على تماس مع التجريدية. من بين أصدقائها الكبار في تلك المرحلة أذكر أدونيس وصلاح ستيتية وأندريه شديد وألان بوسكيه.

عالم روحي يغص بالرموز والإشارات

تميزت تلك المرحلة أيضا بحدثين انعطفا بحياتها وهما لقاؤها بالنحات جورج أبوستو الذي أثمر عن سلسلة من المنحوتات التي أنتجتها الفنانة، من خلالها أظهرت جانبا جديدا من موهبتها وهو ما حرصت على الاستمرار فيه إلى جانب انشغالاتها الفنية الأخرى.

أما الحدث الثاني فيتلخّص في قيامها بتصميم مجموعة من الأزياء لدار بيار كاردان. أزياؤها الغرائبية تميزت بطابعها الشرقي وهو ما استفادت منه في رسومها ذات الطابع الزخرفي المتحرر من قيود الزخرفة.

أما المرحلة الثالثة فقد بدأت عام 1988 وقد سميت بمرحلة كاليفورنيا حيث لا تزال الفنانة تعيش هناك. وهي مرحلة التكريس، حيث صار نتاج هوغيت موقع اهتمام من قبل المتاحف في أوروبا والولايات المتحدة.

في المسافة ما بين الألماني بول كلي (1940-1879) والفرنسية الأميركية لويزا بورجوا (2011-1911) تتحرك هوغيت كالان أسلوبيا. عالمان لا يمت أحدهما بصلة إلى الآخر على الأقل على المستوى الخارجي. في الرسم يبدو تأثير كلي واضحا وبالأخص في مراحلها المتأخرة، حيث استفادت كالان من مفهوم كلي للأشكال التي يولد بعضها من البعض الآخر كما تفعل الزخارف وبالقوة نفسها.

عالم هوغيت الخطي يمتد زاحفا في اتجاهات متعددة وهو يعد بوجود يتجاوز حدود اللوحة أحيانا. أما على مستوى النحت فقد اكتشفت هوغيت في أعمال لويزا بورجوا ما يعيدها إلى عالمها الأصلي في الكسليك يوم كانت تسعى لاستدراج الجسد الأنثوي إلى خلاصاته بتنوع تجلياتها. أنا على يقين من أن هوغيت سُحرت ببورجوا واعتبرتها مرآتها التي تأخرت كثيرا في النظر إليها.

من خلال التصرف بتأثيرات كلي وبورجوا تبدو الفنانة اللبنانية بارعة في اقتناص لحظات المتعة التي تعيدها إلى نفسها. استعادت هوغيت الشيء الكثير من نفسها حين انفتحت على تجارب فنانين مرهفي الحس وصلوا بالتقنية إلى مستويات التماهي مع عالم روحي يغص بالرموز والإشارات. هي ابنة ذلك العالم الذي يؤسس لصلة مطلقة بين الحضور والغياب.

مثل معلميها كلي وبورجوا كانت هوغيت ولا تزال تلعب. لقد تخطت القيود التي تربطها بالعالم كما يراه الجادون والثقلاء والسياسيون وأصحاب النفوذ ورجال الأعمال.

يمكنها أن تضحك في الوقت الذي تراه مناسبا للقيام بذلك. يمكنها أن تعرض ما يحرج الآخرين في قناعاتهم الثقافية الثابتة التي تسعى إلى تغييرها. كالان تلعب كما يفعل الفنانون الكبار. ما من شيء يمنعها من القيام بذلك وهي التي لم تنظر إلى الممارسة الفنية باعتبارها وسيلة لاقتحام السوق. ما ربحته هوغيت كالان من فنها حرية ستكون بمثابة درس في الإخلاص للفن.

10