هولاند.. الرئيس الفرنسي في مواجهة ربيع باريس

الأحد 2014/02/02
اشتراكية واستثمار وضرائب وزلات لسان ونساء

باريس - كانت شوارع باريس منقسمة عشية إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي كسبها فرانسوا هولاند بفارق بسيط لم يتجاوز 51.64 بالمئة، ما دفع كثيرا من الأوربيين إلى المناداة ببديل عن الديمقراطية الحالية، والانتقال إلى مرحلة ما بعد صندوق الاقتراع، ولكن الديمقراطية الأوروبية استمرت، وأصبح الزعيم الاشتراكي هولاند الرئيس الجديد لفرنسا.

يعدّ أكثر السياسيين الفرنسيين، حرصا على تركة ميتران، الذي عمل على ترسيخ الحكم الاشتراكي لفرنسا، وقد ولد فرانسوا جيرار جورج هولاند في صيف العام 1954 وشغل منصب الأمين الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي في الأعوام 1997-2008، ونائبا في الجمعية الوطنية الفرنسية عن الدائرة الانتخابية منذ عام 1997 وجاء وصوله إلى الرئاسة ليحسم الصراع لصالح الاشتراكيين بعد انقطاع عن الإليزيه دام أكثر من 17 عاما منذ العام 1995 تاريخ ترك فرانسوا ميتران الحكم في فرنسا وتولي جاك شيراك مرشح اليمين آنذاك مقاليد السياسة الفرنسية.

كانت خطّة هولاند إعادة الفرنسيين إلى الأرض بعد أن أوهمهم ساركوزي بحلم الهيمنة على المتوسط، ولذلك فقد قدّم هولاند “الحلم الفرنسي” على طريقته، كتبت عنه الصحافة الفرنسية لحظة انتخابه:” في الوقت الذي اعتاد الفرنسيون فيه على فكرة أن الوقت الراهن هو وقت أزمة وبأن بلدهم القديمة قد فشلت تماما في التكيف مع نمط جديد من العولمة، أوضح لهم فرانسوا هولاند بعناية أنه يجب البدء ببذل المزيد من الجهود إذا كانت هناك رغبة لإيجاد فرصة صغيرة للعودة إلى طريق الازدهار بشكل اشتراكي يعود بالخير على كل الفرنسيين على نحو أفضل” وقالت عنه النوفيل أوبسيرفاتور إنه ” ليس متزمتا ويستمع للرأي الآخر ويعرف كيفية تصحيح قراراته، وهو مبدع وخلاق أكثر من ساركوزي، الرئيس الجديد خجول ويحمل حسا كبيرا للتعاون مع الآخر”.

العمدة يصبح رئيسا


كان هولاند عمدة مدينة تول من العام 2001 وحتى العام 2008، وفي تلك الفترة تعرّف على العمل الميداني المباشر، إضافة إلى الإطار السياسي، عاش طفولته في المدرسة الداخلية “جان بابتيست دي لا سال” في روان. درس بعد ذلك في المدرسة الثانوية باستور في نويي سورسين، وانضم إلى كلية الحقوق في باريس، حيث حصل على شهادة في القانون.

وعد هولاند الشعب الفرنسي بأنه سيعمل على رفع سقف الضرائب على الشركات الكبيرة وعلى كبار الأثرياء الفرنسيين، بنسبة 75 بالمئة، وهو ما أثار قياديي حزب ساركوزي اليميني

انخرط هولاند خلال حياته الطلابية في العمل السياسي، وتحمّس لشخصية الرئيس ميتران، وانضم إلى الحزب الاشتراكي مبكرا في العام 1974، ولم تمض السنوات العشر التالية حتى حاول دخول الجمعية الوطنية الفرنسية، ولكنه فشل أمام خصم كبير لم يكن سوى العمدة جاك شيراك، ومكّنه تقدّمه من الوصول إلى مرتبة قريبة جدا من ميتران فأصبح مستشاره الخاص، ثم واصل صعوده السياسي، ملتقيا مع شريكته في الحياة رويال المرشّحة الرئاسية السابقة التي فشلت أمام ساركوزي، وقد عاش معها لأكثر من ثلاثة عقود قبل أن ينفصلا، ولم تخف رويال فرحها بوصول زوجها السابق إلى منصب الرئاسة، ودعمته أمام الصحافة بالقول “إن هولاند سيشرع مباشرة في إنشاء مصرف عمومي مخصص للاستثمار”.


برامج الرئيس وأداؤه

وعد هولاند الفرنسيين بإعطاء الأولوية للمؤسسات المتوسطة والصغيرة القادرة على توفير فرص عمل جديدة لامتصاص البطالة، بعد فشل ساركوزي في حل مشكلة البطالة، ووعد بأنه سيعمل على رفع سقف الضرائب على الشركات الكبيرة وعلى كبار الأثرياء الفرنسيين، بنسبة قد تقدر بـ 75 بالمئة، وهو ما أثار قياديي حزب ساركوزي اليميني المنافس فوصفوا الرجل بـ”المجنون”، وطرح هولاند إصلاح النظام المالي لجعله أكثر عدالة بين الفرنسيين، معتبرا أن برنامجه الاقتصادي يحافظ على الطبقة الوسطى ويساعدها على رفع قدرتها الشرائية.

شجع الرئيس الاستثمار، ولكنه هدّد طبقة رجال الأعمال، واتجه نحو الفقراء، ودافع عن الزواج المثلي، وظهر هولاند مستخفا بالتصريحات التي انزلق إليها لسانه، خلال لقائه مع مجلس ممثلي المنظمات اليهودية “كريف” بباريس بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيسه بشأن الوضع الأمني في الجزائر، حين وصف الجزائر بأنها “غابة لا أمان فيها”، ما أدى إلى هياج الشارع الجزائري الذي دأب على مطالبة فرنسا بالاعتذار عن احتلالها الطويل للبلاد، والتجارب النووية التي أجرتها فرنسا على التراب الجزائري، وكان هولاند يعلق على عودة وزير داخليته، مانويل فالس، سالما من رحلة قادته إلى الجزائر ضمن فريق رئيس الوزراء جاون مارك آيرو، وانتقدت صحف فرنسا هولاند، وقالت إنه “أحرج نفسه وأحرج أصدقاءه في الجزائر”، وأشارت الصحف إلى “حالة التعب التي نالت من هولاند بسبب زياراته الأخيرة لأكثر من دولة”، وقال بيان لحزب التجمع الوطني الديمقراطي المشارك في الحكومة الجزائرية إن “تصريحات هولاند تنم عن حقد دفين من قبل الفرنسيين ضد الجزائر”، وقال أمين عام حركة النهضة محمد ذويبي إن “تصريحات الرئيس الفرنسي في حضرة اليهود تنم على عقلية استعمارية واستكبارية لا تزال تلازم فرنسا”.


العام الجديد لم يأت بالخير

نشرت مجلة “كلوزير” الفرنسية تفاصيل بشأن علاقة خاصة ادّعت أنها تجمع بين هولاند والممثلة الفرنسية جولي غاييه، وهو ما دفع قصر الإليزيه إلى وصف ما حدث بأنه انتهاك لخصوصية الرئيس، واتفقت معظم دوائر الصحافة الفرنسية على ذلك، وأظهر استطلاع رأي مباشر أن 77 بالمئة من الفرنسيين يعتقدون أن “غراميات الرئيس" أمر خاص لا يهم سوى الرئيس نفسه، في حين وصف أحد أعضاء مجلس الشيوخ وجهة النظر بأنها “تطفّل سافر” الأمر الذي تسبّب بنقل صديقته الصحفية فاليري تريرفيلر، إلى المستشفى في حالة إسعافية، وقال مكتبها كما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية إنها تعاني من “حالة اكتئاب شديدة”، وعلى الرغم من كونهما مجرد صديقين بلا زواج، إلا أنها كانت تسافر مع الرئيس كما لو كانت سيدة فرنسا الأولى.

وقد اضطر هولاند لإصدار بيان مقتضب أرسله إلى وكالة الصحافة الفرنسية يعلن فيه انفصاله، رسميا، عن صديقته تريرفيلر، بعد اتفاق بين الطرفين خلال جلسة جرت بينهما، حيث أبلغها هولاند برغبته ولم تبد اعتراضا، تاركة له مهمة إعلانه، وكان هولاند قد أنهى العلاقة مع زوجته رويال، بسبب علاقته مع فاليري تريرفيلر، فبادرت رويال إلى تسريب الخبر لفرانس برس، وجاء فيه أنها طالبته بترك منزلهما المشترك بعد رفقة حياة دامت ربع قرن.

ويستمر هولاند، تحت كل الضغوط النفسية التي يتعرض لها، في رفع شعار الضرائب من أجل خفض العجز، وأكّد طويلاً أنه يسعى لتقليل حجم الإنفاق، ولكنّ إيجاد توازن ما بين طرح فرص الاستثمار ومعاجلة البطالة وخفض الإنفاق يجعل الأمر أشبه بلعبة مستحيلة، ويطرح المحللون السؤال، هل سيعيد فرانسوا هولاند، تجربة ملهمه الرئيس فرانسوا ميتران، بتقليل اشتراكيته كي يحقّق ما وعد به؟

ربيع باريس بعد ربيع العرب

رغم تأييد فرنسا ساركوزي وفرنسا هولاند للتغيير في العالم العربي، ومشاركة القوات الفرنسية في مساندة الثورة الليبية عسكريا، ودعم هولاند للمعارضة السورية، والتنسيق العالي مع السعوديين حول الملف السوري بوجه الولايات المتحدة، إلا أن فرنسا بدأت تذوق طعم ذلك الربيع الذي بدا داميا بفضل تردد المجتمع الدولي في حسم بعض مشاهده المأساوية، ففي سوريا على سبيل أكثر الأمثلة مرارة، وانتقلت عدوى الربيع العربي من جنوب المتوسط وشرقه إلى شماله، حين أعلن ناشطون عن تظاهرات حملت اسم “يوم الغضب” في شوارع باريس، وخرج المتظاهرون مطالبين برحيل الرئيس فرنسوا هولاند، وقدرت الشرطة عدد المتظاهرين بحوالي 17 ألف شخص لكن المنظمين تحدثوا عن 120 ألفاً، أما المتظاهرون فهم ائتلاف يضم مجموعات صغيرة من اليمين واليمين المتطرف إضافة الى محافظين كاثوليك، خرجوا للتنديد بالعمل الحكومي المؤذي الذي قالوا إنه ” يقودنا مباشرة الى الهاوية”. ودعا الائتلاف الرئيس فرنسوا هولاند إلى الرحيل “فوراً” وإلا فان “يوم الغضب” سيلاحقه في الشارع قبل طرده عبر صناديق الاقتراع، وقد اعترض المتظاهرون على أفكار الرئيس هولاند وبرامجه وقراراته التي رأوا أنها تضر بالشخصية الفرنسية وتقاليدها ومصلحة الشعب، وهتفوا بشعارات من نوع “لا لزواج المثليين” و”الانفصال عن أوروبا، فرنسا أمة”، وخاطب أحد قادة المظاهرات الجموع في ساحة الباستيل بالقول:” أنتم هنا لتعبّروا عن سخطكم، وهم أكثر انهماكا بمغامراتهم، أكثر منها بالبطالة وحرية شعب فرنسا “، مشيراً إلى فضيحة علاقات هولاند الغرامية.

طرح هولاند أفكارا جريئة تصبّ في صالح تغيير جذري في سياسة فرنسا، فواجهته المظاهرات في "يوم الغضب الفرنسي" رافعة شعار "ارحل"

إلا أن هولاند بدا متماسكا أمام تلك الهزات، وقال تعليقا على التوافق على دستور جديد لتونس إن “النموذج التونسي يجب أن يلهم دول الربيع العربي ومن بينها مصر”، وأضاف إن “تونس تحتفل بمرور ثلاثة أعوام على ميلاد الربيع العربي بها في الوقت الذي تستعد فيه لإقرار الدستور الجديد للبلاد، كما تنتظر إجراء انتخابات ديمقراطية هذا العام، وهو ما يؤكد أن هذه العملية قادرة على النجاح، على الرغم من أنها قد تقابل بعض العراقيل”.

السياسة الخارجية في عصر هولاند

اضطر هولاند إلى شرح سياساته الخارجية للشعب الفرنسي الذي بات مشوشا أمام ازدحام الملفات الرئاسية الشخصية والاقتصادية والسياسية، فقال في خطاب له مؤخرا إن سياسته الخارجية ترتكز على ثلاثة مبادئ لا يمكن التخلي عنها، تتمثل في حرص فرنسا الدائم على الحفاظ على الأمن والسلام في جميع أنحاء العالم وتشجيع الحوار كوسيلة لحل جميع النزاعات. حيث قال: “نحن نبذل كل جهودنا لحل المشاكل السياسية ووقف النزاعات بالحوار، لكن عندما يصعب علينا التوصل إلى ذلك بالطرق السلمية، نستعمل حينئذ الخيار العسكري لكن تحت راية الأمم المتحدة والشرعية الدولية”.

وتحدث هولاند عن التدخل الفرنسي العسكري في مالي في العام 2013 لدحر الإسلاميين الذين استولوا على شمال البلاد، شارحا:” لقد تمكنا من القضاء على الجهاديين وإضعافهم بشكل كبير، ما أدى بمالي إلى استرجاع سيادتها الترابية ثم تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية حرة في غضون عام واحد فقط”، مضيفا أن “فرنسا لم تتصرف بمفردها في هذا البلد، بل لقيت المساعدة من طرف مالي نفسها ودول أفريقية أخرى شاركت في عملية “سرفال” وبدعم مالي أوروبي وأممي”.

وعن الشرق الأوسط، تعهد هولاند بمواصلة جهوده من أجل إيجاد حل عادل للملف الفلسطيني الإسرائيلي، ومن جهة أخرى، لم يغير هولاند موقفه من الملف السوري، إذ صرح أن الهدف الرئيس من محادثات جنيف 2، هو التوصل إلى مرحلة انتقالية وليس إلى شيء آخر، وقال: “مؤتمر جنيف 2 لا يمكن أن يكون مؤتمر أقوال”.

أما المبدأ الثاني في سياسته الخارجية فقد أوضح هولاند أنه يركّز على بناء نظام عالمي جديد تلعب فيه فرنسا دوراً محوريا وتناضل من أجل عالم عادل يعطي أهمية لقضايا البيئة ومكانة تليق بمقام الدول الناشئة مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل. والمبدأ الثالث يتصل بالدفاع عن الاستثناء الثقافي الفرنسي في العالم، حيث يقول هولاند:” أريد أن تكون فرنسا دولة جذابة لكل ثقافات العالم”، مؤكدا أن الهدف هو جذب 50 ألف باحث و300 ألف طالب من جميع أنحاء العالم لمزاولة دراساتهم في فرنسا.. ولكن هولاند لم ينتبه إلى اليمين المتربّص به والذي يضيق بالمهاجرين في ظل بطالة وانعدام فرص عمل لا يخفيان على أي فرنسي.

8