هولاند يصرح وميركل تلمح: بروكسل ستجعل من بريطانيا عبرة لبقية دول الاتحاد

السبت 2016/11/12
لا تسامح بعد الآن

بروكسل – أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، في الثاني من أكتوبر الجاري، أن قرار خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي سيدخل حيز التنفيذ أواخر مارس 2017. وبالرغم من أن لوائح الاتحاد تمنح الأعضاء مهلة عامين لإتمام إجراءات المغادرة، وفرصة للتفاوض على عدد من الامتيازات وعقد عدد من الاتفاقيات، وبالتالي الخروج بأقل الخسائر لكلا الطرفين، إلا أن مسؤولين في الاتحاد لم يخفوا رغبتهم في “معاقبة” بريطانيا على قرارها؛ بل إنهم أرسلوا إشارات تهديد قوية لدول وأحزاب أوروبية تسعى لتفكيك الاتحاد والسير على خطى بريطانيا.

كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند من أكثر القادة الأوروبيين صراحة في التعبير عن موقفه الغاضب، حين أشار في تصريحات نقلتها عنه صحف أوروبية تفيد بضرورة “معاقبة” بريطانيا على قرار الخروج من الاتحاد، وذلك خلال اجتماع في باريس عقده بتاريخ 6 أكتوبر بحضور رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، والمفوض الأوروبي لإدارة عملية خروج بريطانيا، ميشيل بارنيار.

ولم يستخدم المسؤولون الألمان تعبير هولاند، إلا أن حديثهم عن الإجراءات الاقتصادية الصارمة بحق لندن لا تقل قسوة، حيث قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في ذات اليوم، إن “الحفاظ على تماسك مبدأ حرية الحركة التجارية بين الدول الأوروبية، التي تضمنها العضوية في الاتحاد الأوروبي، أولى من الحفاظ على بريطانيا كسوق للمنتجات الألمانية”.

وعبرت المستشارة الألمانية، في خطاب في المؤتمر السنوي لاتحادات الصناعة الألمانية، بشكل غير مباشر، عن رغبة إدارتها في جعل خروج بريطانيا من الاتحاد “عبرة” لبقية الأعضاء، وبالتالي ضمان الحفاظ على الوحدة الأوروبية، التي توفر حرية الحركة التجارية، وإن جاء ذلك على حساب تأذي الصادرات الألمانية إلى بريطانيا.

ورأت صحف ومراكز أبحاث أوروبية وعالمية أن هولاند وميركل، يسعيان لردع أي مسعى مشابه قد تتخذه دول أو أحزاب أوروبية، من خلال وضع بريطانيا في ذلك المربع، وخصوصا من داخل فرنسا وألمانيا بالتحديد.

وخلص تقرير لمركز ستراتفور الأميركي للأبحاث الاستراتيجية إلى أن أكبر المرشحين لمغادرة الاتحاد هم الدول الثلاث الكبرى، ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، خصوصا مع تنامي التيارات اليمينية فيها، وتراجع أدائها الاقتصادي، وما قد يبدو إسهاما لضعف أداء مؤسسات الاتحاد وعملته اليورو في تعزيز ذلك التراجع على المستوى المحلي.

وبحسب التقرير، تأتي الدول التي تمتلك عضوية دون المشاركة في منظومة اليورو، في المرتبة الثانية من حيث احتمال أن تقتفي خطى لندن. وتعد كل من بلغاريا، كرواتيا، التشيك، المجر، بولندا، رومانيا، السويد، الدنمارك، بالإضافة إلى بريطانيا، أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مع احتفاظها بعملاتها المحلية، في حين يستخدم اليورو 19 من الأعضاء الـ28.

بريطانيا أمام خيارين، إما خروج قاس من الاتحاد الأوروبي، دون ميزات خاصة، وإما الالتفاف على قرار المغادرة

ويترتب على خروج تلك الدول من الاتحاد أضرار أقل على بروكسل (مقر الاتحاد) من خروج دول تستخدم اليورو عملة لها، الأمر الذي يظهر الفرق بين تعاطي الأوروبيين مع كل من بريطانيا واليونان على سبيل المثال، فقد ظهر أن القادة الأوروبيين لم يريدوا تفويت فرصة استخدام الحالة البريطانية لردع الأصوات المعارضة لحالة الاتحاد، فلندن لا تستخدم اليورو، أي أن خروجها لن يكون بكلفة خروج أثينا، بحسب تقرير ستراتفور.

ومن جهة أخرى، فإن لندن وقفت عائقا أمام تطبيق عدد من سياسات برلين وباريس على مستوى الاتحاد، وخصوصا في ملفات كحرية تنقل العمالة، والسياسة الضريبية، والجيش الأوروبي، والحد من استخدام الطاقة النووية، وغيرها، ما يجعل كل ذلك من خروج بريطانيا الأقل كلفة، وبالتالي الأمثل، لتوظيفه في تجنيب الاتحاد سيناريوهات أسوأ مستقبلا.

كل ما ذكر سابقا، يضع لندن أمام خيارين لا ثالث لهما، إما خروج قاس من الاتحاد، دون ميزات خاصة أو جدولة تمنح الاقتصاد البريطاني فرصة لتفادي أكبر قدر ممكن من أضرار عملية الانفصال، وإما الالتفاف على قرار المغادرة، من خلال إجراء استفتاء آخر أو استخدام صلاحيات الملكة، وهو ما يواجه عقبات قانونية.

وسيكون الخروج دون التوصل إلى تسوية مع الأوروبيين، أو تمكن حكومة تيريزا ماي من الالتفاف عليه أو إلغائه، أمرا موجعا للاقتصاد البريطاني في كلا الحالتين، وقد يتسبب في أزمة حقيقية للندن تستمر تداعياتها لسنوات.

ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية، عن تقارير حكومية مسربة، بأن الخروج القاسي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكلفها 66 مليار جنيه إسترليني سنويا (80.45 مليار دولار)، بواقع خسارة قد تبلغ 9.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وبحسب الصحيفة، فإن التقارير أفادت بأن مرد تلك الخسائر هو رفض الأوروبيين احتفاظ لندن ببعض امتيازات السوق الموحدة والتدرج في تعديل حالة عضوية لندن في منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي وصفته المستشارة الألمانية بـ”سعي بريطانيا لامتلاك قدم داخل الاتحاد وأخرى خارجه”، وهو ما رفضه قادة الاتحاد بشكل قاطع.

أيّا كان الشكل النهائي الذي ستنتهي إليه الأزمة، فإن ضربة موجعة قد تلقتها تيارات اليمين واليمين المتطرف المعارضة لقيادة الاتحاد الحالية، والتي كانت قد تعززت بوجود حزب المحافظين البريطاني الحاكم إلى جانبها في البرلمان الأوروبي، فالحزب البريطاني الكبير، إما سيغادر البرلمان الأوروبي نادما، أو سيبقى فيه مع تغير في موقفه، عدا عن تأثير كل ذلك على توجه الناخبين الأوروبيين.

وينتظر بأن تلقي أزمة بريطانيا الحالية ظلالا على عدد من الملفات، أبرزها أزمة اللاجئين وتداعياتها المختلفة، التي شكلت خلال السنوات الأخيرة محفزات لدول وأحزاب لتبني الدعوة إلى المغادرة، أو إنهاء المنظومة الأوروبية الموحدة.

6