هوليوودية داعش وعذابات السنّة

الأحد 2015/06/14

ماذا كانت الولايات المتحدة تريد من احتلال العراق؟ وما الهدف من اعتقال الناس وتعذيبهم في سجن أبو غريب؟ ما هو الهدف من منح الأكراد إقليما خاصا بهم؟ ما الهدف من اعتبار الشيعة أغلبية وذلك التمجيد المبالغ فيه لرجل دين إيراني مثل السيستاني من قبل الحاكم الأميركي بول بريمر؟ ما الغاية من الزيارات المليونية التي تغطي نفقاتها الدولة العراقية وذلك التبشير الشيعي؟

ماذا كان يريد رجال الدين الشيعة من لبس الكفن وقيادة الميليشيات المسلحة والقيام بأكبر الاستعراضات العسكرية في العاصمة بغداد؟ لماذا تهجير السنة من بغداد؟ ما الهدف من حل الجيش العراقي واجتثاث البعث؟ ما الغاية من اغتيال الضباط السنة وقطع رواتبهم كل تلك السنين؟

ما المقصود من تحويل المساجد إلى حسينيات واغتيال رجال الدين السنة؟ ما الهدف من فرق الموت ومغاوير الداخلية والسجون السرية وإعلان الجهاد والحشد الشيعي؟ لماذا المحافظات الشيعية والكردية مأهولة بالحياة الطبيعية ومستقرة تماماً؟ ولماذا بالمقابل محافظات السنة وبيوتهم ساحة حرب وخراب وذبح؟ لماذا كل السنة لا يحبون الحكومة العراقية؟

لماذا يصر الأميركان على أن التعامل مع الشيعة أفضل لأن عندهم عنوانا هو المرجعية الشيعية في النجف “السيستاني”؟ وسؤال آخر رجاء، إذا كان السنة ليس عندهم إقليم ولا دولة ولا مرجعية ولا جيشا ولا قادة ماذا يفعلون في هذه الحالة برأيكم؟ كم سنة ينتظرون في العراء الوجداني؟ سنة؟ خمس؟ عشر؟ كم قتيلا يسقط منهم في الظلام؟ وكم مهجّرا؟ ألفا؟ عشرة آلاف؟ مليونا؟ هل هذه حياة طبيعية؟

ثم إذا كانت إيران وأميركا تدعمان الشيعة وتفضلهما بشكل علني، هل هناك بالمقابل دولة تدعم السنة؟ هل سمعتم أو رأيتم أو شعرتم بدولة تدعم السنة في العراق علنا؟

لنفكر بهذه الأسئلة قبل أن نتساءل عن داعش، وقبل أن نستغرب من وحشيتها، وقبل أن نتساءل عن سبب إعلان الخلافة كمرجعية وقيادة دينية وسياسية باسمهم، وقبل أن نتساءل عن حقد هذه الخلافة على الجميع، وقبل أن نتساءل لماذا هي بهذه القسوة، ولماذا يرفضون المشاركة والحياة والتسامح.

ماذا حصّل السنة في العراق مقابل التسامح؟ ماذا حصّلوا مقابل حبهم للعرب والعروبة؟ ماذا حصّلوا مقابل وطنيّتهم الراسخة وعبادة العراق؟ هل كانوا يموتون بصمت؟ هل كانوا يهانون؟ هل كانوا يأمنون على أموالهم وأعراضهم؟ هل كان هناك مَن يكترث ويبالي بمأساتهم؟

الآن تحولت مأساتهم إلى مأساة الجميع، ومشكلتهم إلى مشكلة الجميع، وعذابهم إلى عذاب الجميع. ليس من خلال تأنيب الضمير أو المحبة البشرية المخلصة بل من خلال الدولة الإسلامية الإرهابية، ومن خلال التمدد وإعلان الخلافة والانتحاريين والمقاتلين الأجانب، أليس كذلك؟

العالم يطالب السنة اليوم بتقدير معاناته من خطر الدولة الإسلامية، ويطلبون منهم بكل لطف التطوع فذبح الدواعش لهم رجاء، حتى يعود الهدوء والسلام ويعود الذبح والتهجير للسنة كما كان.

هذه حكاية فريدة من نوعها لا تحدث إلا للعبيد الحمقى. فالعبد الصالح يجلده سيده بالسّوط حتى يتشقق ظهره، فإذا صادف وهبّ رجل لضرب سيده بسبب هذه الوحشية، يثور العبد ويكسر عنق ذلك الغريب إخلاصا منه لسيده. هل سنة العراق اليوم يشبهون ذلك العبد حقا؟

عذابات السنة لم يسمع بها أحد خلال عشر سنوات مضت، لقد تجاهلها العالم وساوم عليها ولم يكترث لها الزعمـاء السياسيون على الإطلاق

الولايات المتحدة ترسل للسنة مدربين عسكريين وأسلحة، ليس لقتال الميليشيات التي أهلكتكم كل تلك السنين وأدمت ظهورهم بسياطها، بل لقتال أعداء الميليشيات وذابحيــها على الجبـهات الغربية والشمالية.

مشكلة السنة كانت قبل داعش بسنوات طويلة، وداعش اليوم ليست مشكلة السنة بل مشكلة العالم والدول المجاورة. عذابات السنة لم يسمع بها أحد خلال عشر سنوات مضت، لقد تجاهلها العالم وساوم عليها ولم يكترث لها الزعمـاء السياسيون على الإطلاق.

اليوم يشعر العالم بوجود المعذبين في العراق، هؤلاء المستذلون والمهانون في بلاد كانوا سادتها بالأمس القريب. اليوم تفتح الصحف والفضائيات أبوابها لسماع صوت السنة ومظالمهم، ليس حبا فيهم ولا احتراما لمليون بريء تم قتلهم غيلة منذ الاحتلال حتى اليوم، ولا غيرة على أموالهم وأعراضهم، بل الحقيقة هي أن العالم يقوم بذلك خوفا من الدولة الإسلامية. لم تكن هناك أيّ قيمة للدم المسفوح، ولا للدموع البشرية المنسكبة على قلب الوطن المتحجّر.

يقول لي صديق بأن ابن عم زوجته، كان أبوه ضابطا في الجيش العراقي السابق وقد قُتِل وتمّ سحل جثته بشارع فلسطين وسط العاصمة بغداد على يد ميليشيات جيش المهدي الشيعية، فغيّر لقبه من “الخزعلي” إلى “الساعدي” وتحول إلى المذهب الشيعي من الخوف. وها هم أبناؤه يرفعون صور مقتدى الصدر في بيوتهم “صاحب ميليشيا قتلة أبيهم” ويتطوعون بحماسة وإخلاص في الحشد الشيعي. ويضيف في لحظة قنوط وغضب إذا كان القتل والسحل يخدم التبشير الشيعي بهذا الشكل، فلماذا لا نترك الدواعش يقومون بعملهم مادام خليفتهم يقول علنا “وإن البصرة بصرتنا”؟

الحوار مع الدواعش أصبح مدمرا للأعصاب حقا. فهذه الـ”سي أن أن” تجلب شقراوات بفساتين قصيرة وقصات شعر مكلفة للحديث عن التطرف الإسلامي، والعرب أيضا يضعون مذيعة جميلة ورشيقة مع رجل عربي ثري للحديث عن خطر الخوارج. بينما الدواعش من جهتهم يخرجون بإصدارات هوليودية يتكلم فيها انتحاريون، ونحن نسمعها بعد رحيلهم عن العالم ونرى بأعيننا لهيب فنائهم. كلمات دينية وفيها اسم النبي محمد أحدهم يقول “لا يوجد وسط يا إخوان إما مع السنة أو مع الصفويين” بابتسامة وديعة وأسنان بيض ناصعة وعيون براقة ووجوه فتية نضرة. هذا أمر مرهق لأعصاب المسلمين والعالم ومثير للقلق، حضور الموت والنص المقدس والكلمات، شيء فوق طاقتنا كبشر، فوق الخيال لما يتضمن من توظيف للفن والدين والإحساس القومي على خلفية خافتة من الأناشيد ومظالم السنة المخيفة في العراق.

الدولة الإسلامية تسيطر اليوم على المياه والسدود والطرق السريعة. الحكومة العراقية نفسها وإقليم كردستان يتعاملان معها تجاريا مضطرين، شأنهم في ذلك شأن النظام السوري الذي يشتري منهم المازوت، وشأن الجيش الحر الذي يبيعهم الأسلحة. الدواعش يفرضون ضريبة قدرها 300 دولار على كل شاحنة بضائع تأتي من عمّان عن طريق طريبيل وتمنح السائق وصل استلام، دونه لا تدخل الشاحنة بغداد أو أربيل لأن الوصل يعني بأن الشاحنة ليست حربية ولا مفخخة بل تجارة وسلام. مردود الدولة الإسلامية هو مردود دولة في الحقيقة.

الدواعش اليوم يقومون بغزو العالم ذهنيا بهذه الإصدارات والعمليات العسكرية، بل يتحدون القوى العظمى ويقزّمونها. يجب البحث عن حلّ مهما كان لهذا الوجع الوجداني والحنين الإمبراطوري. ولاة الأمور المسلمون أنفسهم يجب أن يجدوا حلولا، وليس القادة الأجانب من غير المسلمين.

كاتب عراقي

5