هوليوود أداة للتجنيد في يد الاستخبارات الأميركية

تعتبر صناعة السينما الأميركية من أفضل الوسائل للترويج للسياسة الأميركية وكسب قلوب المواطنين، إلا أن وكالة المخابرات الأميركية المركزية تستغل هذا المجال للدعاية لنشاطاتها التجسّسية في الخارج، حيث لم يعد الأمر خافيا على أحد.
الخميس 2016/10/13
واشنطن تستفيد من هوليوود لإظهار مقاتليها وعناصر الأمن في صورة الأبطال المثاليين

واشنطن – تربط قطاع السينما في الولايات المتحدة علاقة متينة بالجيش، فلطالما لجأ صانعو الأفلام إلى القوات المسلحة لطلب نصائح أو حتى سفن وطائرات حربية. وفي المقابل، تستفيد السلطات الأميركية من هوليوود لإظهار مقاتليها وعناصر الأمن في صورة الأبطال المثاليين.

ويقول فيل ستروب، المسؤول في الجيش عن العلاقات مع هوليوود، “يأتي إلينـــا السينمائيون الذين يريدون إنتاج فيلما بميزانيــة معقولة ليستفيدوا من رجالنا ومعداتنا”.

ويضيف “في المقابل، لدينا القدرة على أن نؤثر في الصورة التي يظهر فيها العسكريون”.

وآخر هذه الأفلام هو فيلم “سولي” لكلينت إيستوود، وهو قيد العرض الآن في الصالات الأميركية، وهو يروي قصة الهبوط الاضطراري لطائرة ركاب مدنية في نهر هادسون بنيويورك، وقد تلقى الفيلم مساعدة من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لإتمام تصوير البعض من مشاهده.

وكذلك قدم الجيش مساعدة لفيلمين جديدين “كابيتن فيليبس” و”بريدج أوف سبايز” (جسر الجواسي). وساهم الجيش بشكل كبير في “إيرون مان” و”ترانسفورمرز”، و”تومورو نيفر دايز” مع جيمس بوند، وأعمال كثيرة أخرى.

"سولي" لكلينت إيستوود فيلم تلقى مؤخرا مساعدة من البنتاغون لإتمام تصويره

ويروي فيل ستروب كيف تجري “المفاوضات” مع صناع السينما، ويقول “في سيناريو غودزيلا مثلا، كان أحد أبطال الفيلم ضابطا شابا في البحرية، وكانت عائلته تواجه المتاعب لكن لا نعرف لماذا؟”.

لذلك اقترح ستروب على منتجي الفيلم أن يكون الشاب أكثر إثارة للإعجاب، وأن يكون “ابن عائلة جيدة” مقابل أن ينفذ سلاح البحرية مشهدا كبيرا يصور عودته من إحدى المهمات.

أداة للتجنيد

في فيلم “بلاك هوك داون”، الذي يصور التدخل العسكري الأميركي في مقديشو عام 1993، كانت مساعدة الجيش ضرورية أيضا، وكان ذلك مقابل “بعض التعديلات”.

فبحسب مارك بودين، صاحب الكتاب الذي حول إلى هذا الفيلم، فرض البنتاغون تغيير اسم البطل الذي يؤدي دوره إيوان ماكغريغور، كي لا يكون مشابها لاسم عسكري يقبع في السجن بتهمة الاعتداء الجنسي على الأطفال.

وتأمل السلطات الأميركية في أن يكون الجنود وعناصر الشرطة في الأفلام أبطالا لا غبار عليهم.

ويقول مايكل كورتان، المتحدث باسم مكتب المباحث الفيدرالية (إف بي آي)، “كثيرون لا يعرفون عن الشرطة سوى ما يرونه في الأفلام”.

وتعمل وكالة الاستخبارات الأميركية منذ العام 1996 على تحسين صورتها من خلال الأفلام، لتقدم نفسها على أنها وكالة تتمتع بمناقب عالية ولا بد منها لحماية الولايات المتحدة، وأنها قلما ترتكب الأخطاء، بحسب تريسيا جنكينز، الأستاذة في جامعــة ميشيغن وصاحبة كتاب “السي آي إيه في هوليــوود”.

تأمل السلطات الأميركية في أن يكون الجنود وعناصر الشرطة في الأفلام أبطالا لا غبار عليهم

وتؤكد جنكيز أن تدخل الوكالة في إنتاج الأفلام وصل إلى ذروته خلال الحرب الباردة، حيث كان الهدف صياغة السياسة الخارجية الأميركية بشكل يستطيع كسب القلوب والعقول في الخارج، من خلال مركز أبحاث لمكافحة الأيديولوجية الشيوعية تابع للوكالة الاستخباراتية، مهمته التفاوض من أجل شراء حقوق نصوص الروايات وتحويلها إلى أفلام للترويج للسياسة الأميركية، وتعزيز صورة الحياة الأميركية في العالم.

وقد ركزت الأفلام على مدى أخلاقية المنظمة السرية التي نادرا ما تخطئ، وذلك عبر تقديم المبررات لجميع عملياتها السرية غير الأخلاقية في إطار صورة عامة كبيرة، توضح أنه لا أمن للولايات المتحدة من دون عمل جواسيس الوكالة.

وكشف لويجي لوراسشي، رئيس إدارة الرقابة الأجنبية والمحلية على الأفلام الأميركية في الخمسينات من القرن الماضي، أنه كان يعمل أيضا لصالح الوكالة وكان يرسل تقاريره عن الرقابة على الأفلام لتعزيز صورة الولايات المتحدة في الخارج أثناء الحرب الباردة.

خلط بين المسلمين والإرهاب

من أبرز الأفلام التي تجسد تعاون الاستخبارات مع هوليوود فيلم “أرغو” الذي نال جائزة أوسكار وقلص أهمية الدور الكبير الذي لعبته كندا في عملية تحرير الرهائن الأميركيين في إيران ليعطي المساحة الأكبر للاستخبارات الأميركية.

مغالطات واضحة وخلط بين المسلمين والإرهابيين في مسلسل "هوملاند"

لكنّ أعمالا أخرى أثارت جدلا كبيرا، مثل مسلسل “هوملاند” (الوطن) الذي تلقى مساعدة وكالة الاستخبارات، إلا أنه واجه انتقادات لاذعة بسبب تبريره لجرائم الحرب الأميركية أولا وبالخلط بين المسلمين والإرهاب ثانيا.

وتلعب المسلسلات الأميركية المماثلة لـ”هوملاند” دوارا كبيرا في تشكيل الرأي العام الأميركي، وقد تكون هي أحد أسباب تأييد الأميركيين لاستخدام التعذيب بذريعة الحصول على الاعترافات من الإرهابيين، على الرغم من ثبوت فشل التعذيب في تقديم أي فائدة في اعترافاتهم.

وسبق أن صور المسلسل التلفزيوني “هوملاند” العاصمة اللبنانية كمرتع للإرهاب، فيما اعترضت باكستان في ديسمبر 2014، في بيان رسمي عن تصويرها بلدا ممزّقا بالحروب والإرهاب اللذين تورطت الحكومة فيهما مع الإرهابيين.

وفي أواخر العام الماضي تمكّنت مجموعةٌ من الفنانين العرب من اختراق المسلسل الأميركي ذي الطابع الاستخباراتي، حيث تمكنوا من تمرير رسومات غرافيتي في الحلقة الأخيرة من الموسم مكتوبة باللغة العربية على جدران مواقع التصوير في برلين. وتضمنت العبارات كسرا للأفكــار الخاطئة المطروحة في المسلسل وعبــارات ضدّه مثل “الوطن مش مسلسل” و“الوطن عنصــري، الوطن نكتة وما ضحكنا” و“الوطن بطيخ”.

ومن الأفلام التي لاقت انتقادات فيلم “زيرو دارك ثيرتي”، الذي يتحدث عن ملاحقة أسامة بن لادن، وقد نال مساعدة أيضا من وكالة الاستخبارات الأميركية، لكنه تلقى أيضا انتقادات من لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ لكونه ألمح إلى أن تعذيب موقوفين إسلاميين متشددين كان مفيدا لمعرفة مكان الزعيم السابق لتنظيم القاعدة.

20