هوليوود تعيد الاعتبار للصحافة الأميركية أمام إهانات ترامب

بعد حوالي خمسين عاما على حادثة ووترغيت الشهيرة يأتي فيلم “ذا بوست” ليذكر الأميركيين بدور الصحافة في الوقوف بوجه السياسيين وكشف تضليلهم مهما بلغت خسائرها وتضحياتها، وقدم العرض الافتتاحي لهذا العمل السينمائي في متحف الصحافة العريق “نيوزيوم” الذي يقع قاب قوسين من البيت الأبيض، بينما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجماته ضد الصحافة.
السبت 2017/12/23
هل تعود الصحافة إلى سابق عهدها

واشنطن - قررت هوليوود الرد على الهجوم المتواصل للرئيس الأميركي دونالد ترامب على وسائل الإعلام، ووصمه لها بـ”الكاذبة”، وذلك بإنتاج فيلم “ذا بوست” الذي يروي إحدى وقائع الصحافة الأميركية في حربها ضد أكاذيب السياسيين، وكشف تضليلهم للشعب الأميركي.

اختار ستيفن سبيلبرغ مخرج الفيلم التوقيت المناسب لعرض الفيلم بينما تحتدم معركة ترامب مع الصحافة، مستفيدا من شعبية هوليوود للترويج لوسائل الإعلام، فلفت أنظار العالم وحظي بشعبية واسعة، ويبدو بارزا اسم بطلي الفيلم توم هانكس وميريل ستريب المناهضين لسياسات ترامب والعنصرية، وقد عبرا عن ذلك في مناسبات عديدة.

ويروي الفيلم الذي خرج إلى الصالات الأميركية الجمعة مسار نشر “أوراق البنتاغون”، هذه الوثائق التي كشفت أكاذيب الإدارة الأميركية حول تدخل الولايات المتحدة في فيتنام، في صحيفة “واشنطن بوست” الشهيرة.

وتؤدي ميريل ستريب فيه دور كاثرين غراهام، مديرة النشر في الصحيفة، في حين اختير توم هانكس لدور بن برادلي رئيس التحرير.

ويتطرق الفيلم إلى قرار كاثرين غراهام نشر هذه الوثائق، وهو قرار من شأنه أن ينعكس سلبا على الصحيفة التي هي ملك لعائلتها والتي تترأسها منذ انتحار زوجها فيل قبل 8 سنوات.

ستيفن سبيلبرغ: حرية الصحافة تتجاوز كل الحكومات، الجميع يمر بحرب مع وسائل الإعلام

وساهم دانييل إلسبرغ الموظف الحكومي السابق والمبلّغ عن المخالفات، في تسريب 7 آلاف صفحة من المستندات المصنفة سرية في البنتاغون حول حرب فيتنام، في عام 1971 إلى صحيفة “نيويورك تايمز” التي نشرت أول جزء منها وبينت أنه خلافا لمزاعم عدة مسؤولين أميركيين لن تكسب الولايات المتحدة الحرب على فيتنام، ما أثار غضب الناس وانطلقت المظاهرات في شوارع المدن الأميركية تطالب بوقف الحرب فورا.

وردت إدارة نيكسون بشكوى قضائية اتهمت فيها “نيويورك تايمز” بنشر وثائق تمس بأمن الدولة ونجحت في الحصول على أمر قضائي يمنع الجريدة من الاستمرار في نشر الوثائق. وهذه كانت أول مرة في تاريخ الولايات المتحدة يتم فيها منع جريدة من نشر خبر ما، وهو مس بأول تعديل للدستور الأميركي وهو حرية التعبير والصحافة، الذي يعتبر أهم أسس الديمقراطية الأميركية.

وقررت عندها “واشنطن بوست” أن تتولى هذه المهمة بنفسها، بالرغم من الارتدادات الاقتصادية والسياسية التي قد تنعكس على مجموعتها.

وبعد خمسين عاما تقريبا على هذه الحادثة وعلى بعد بضع دقائق عن مقر صحيفة “واشنطن بوست”، قدم العرض الافتتاحي لهذا العمل السينمائي في متحف الصحافة العريق “نيوزيوم” في العاصمة الأميركية، وكانت الهجمات المتعددة التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد الصحافة ماثلة في كل الأذهان، لا سيما أن المتحف يقع على قاب قوسين من البيت الأبيض.

وغالبا ما يوجه سيّد البيت الأبيض سهامه إلى “نيويورك تايمز” و”سي إن إن”، وهو قد انتقد أيضا صحيفة “واشنطن بوست” متهما إياها بالترويج للأخبار المزيفة، وهو مصطلح عهد الرئيس على استخدامه، وواصفا إياها بـ“غير النزيهة” و”الزائفة”.

توم هانكس: الفيلم عن النزاهة الصحافية لأناس يعتبرونها مسؤوليتهم للحصول على الحقيقة

كما لقبها بـ“أمازون واشنطن بوست”، في إشارة إلى جيف بيزوس صاحب “أمازون” الذي اشترى المجموعة من عائلة غراهام سنة 2013.

وصرح ستيفن سبيلبرغ الذي حضر العرض الافتتاحي برفقة توم هانكس وميريل ستريب التي قال عنها ترامب إنها “مبالغ في موهبتها”، “من المهم جدا بالنسبة لي ألا نعتبر هذا الفيلم عملا مسيّسا أو متحزّبا نابعا عما يوصف بأنه الإعلام اليساري”.

وأردف قائلا “اعتبره فيلما عن الحسّ القومي وجرأة وسائل الإعلام التي هي السلطة الرابعة، فضلا عن الجهود التي بذلتها لنشر أوراق البنتاغون التي أدت إلى فضيحة ووترغيت”.

وأضاف “إن موضوع حرية الصحافة يتجاوز كل الحكومات، الجميع يمر بحرب مع وسائل الإعلام ومع الصحافة، فقد مر باراك أوباما بها ومر بها جورج بوش، ومر بها بيل كلينتون، وتمر بها الإدارة الحالية”.

وجرى ترشيح “ذا بوست” لست جوائز من غولدن غلوب وينظر إليه على أنه منافس قوي على ترشيحات أوسكار التي ستعلن في يناير.

من جهته قال توم هانكس “الفيلم عن مكانة المرأة والمساواة في مكان العمل… هو بالتأكيد عن إرث حرب فيتنام وما فعلته 40 عاما من السياسة للولايات المتحدة الأميركية. وهو أيضا عن النزاهة الصحافية لأناس يعتبرونها ليست وظيفتهم ولكن مسؤوليتهم الخروج والحصول على الحقيقة”.

وتابع “لا تستطيع تحقيق حكومة حرة وديمقراطية من دون معاينة حرية الصحافة”، وأضاف “بإمكانك أن تدعوهم بالكاذبين أو أن ما يقولونه غير صحيح، ويمكن أن تنكر الحدث، كما فعلت إدارة نيكسون خلال فضيحة ووترغيت، حينما قالوا إنها لم تحدث أبدا ولكنهم كانوا مخطئين”.

بدورها قالت ستريب “حرية الصحافة تطرح أسئلة صعبة ومحاسبة جميع الناس في السلطة. إذا لم يكن لدينا ذلك فهذا عبء هائل عليك أنت كصحافي. إنها مكتوبة في دستورنا. يجب علينا أن نملك ذلك لأن الناس يعتمدون عليه. هذه حكومة الناس وليست مِلْكًا لِمَلِكٍ مّا”.

ميريل ستريب: حرية الصحافة تطرح أسئلة صعبة ومحاسبة جميع الناس في السلطة

وكانت نجمة هوليوود ميريل ستريب قد وجهت انتقادات لاذعة للرئيس الأميركي، خلال كلمة ألقتها بمناسبة تسلمها جائزة غولدن غلوب، قائلة إنه حطّم قلبها بمحاكاته بسخرية لصحافي معاق أثناء حملته الانتخابية.

وأشارت إلى واقعة عام 2015 وسط حشد في ساوث كارولاينا، عندما أشاح ترامب بذراعيه وغير نبرة صوته مقلدا في ما يبدو الصحافي سيرج كوفاليسكي من صحيفة نيويورك تايمز، الذي يعاني من إعاقة حركية. ونفى ترامب بعد ذلك أن يكون سخر من الصحافي.

وقالت ستريب (68 عاما) “كان هناك أداء واحد هذا العام أصابني بالذهول”. وأضافت “غرز مخالبه في قلبي. ليس لأنه أداء جيد. كانت تلك اللحظة التي قام فيها ذلك الشخص الذي يسعى للوصول إلى أكثر المقاعد احتراما في بلادنا بتقليد صحافي معاق”.

وأضافت ستريب الحاصلة على ثلاث جوائز أوسكار “حطّم قلبي عندما رأيت ذلك وما زلت لا أستطيع التخلص من أثره، لأنه لم يحدث في فيلم سينما بل في واقع الحياة”. وأضافت “هذا الميل الغريزي للإهانة عندما يمثله شخص على الساحة العامة، شخص صاحب نفوذ، فإن أثره يمتد إلى حياة الجميع. قلة الاحترام تولد قلة احترام. والعنف يولد العنف”.

ورد ترامب بأنه “لا يدهشه” أن يتعرض للهجوم من “شخصيات سينمائية ليبرالية”.

18