هوليوود والتحرش الجنسي

الأربعاء 2017/12/06

قامت القيامة في هوليوود ولم تقعد بعد، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي كما لم يحدث من قبل، وامتلأت الصحف بالعناوين والتحقيقات المثيرة منذ ظهور مزاعم الاتهامات بالتحرش الجنسي وغواية الكثير من “فتيات هوليوود” من جانب المنتج السينمائي المرموق هارفي وينستين، وإجبارهنّ على بعض ممارسات جنسية غريبة تحت سطوة قوته كمنتج سينمائي ورئيس لواحدة من أهم شركات هوليوود، هي شركة “ميراماكس” التي أسسها مع شقيقه في أواخر السبعينات.

كانت البداية من مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” يفيد بأن عددا من الممثلات في هوليوود يتهمن وينستين بالتحرش الجنسي بل بالاغتصاب، ورغم إنكاره أصبح وينستين الرجل الأكثر تعاسة في العالم، فقد أعقبت ذلك العشرات من الاتهامات الأخرى معظمها من أسماء مجهولة في عالم التمثيل، فأعلن شقيقه طرده من رئاسة الشركة، وجمّدت الأكاديمية البريطانية لفنون السينما عضويته فيها، وطردته من عضويتها الأكاديمية الأميركية التي تمنح جوائز الأوسكار، وهجرته زوجته مصممة الأزياء جورجينا، وفتحت شرطة لوس أنجلس ونيويورك ولندن تحقيقات في تهم موجهة إليه بالاغتصاب واعتداءات جنسية أخرى، وأدانه رجال السياسة الذين سبق أن منحهم تأييده، وانبرى عدد كبير من ممثلي ومخرجي هوليوود لإدانته.. وتردّد أن هذه الحملة يقف وراءها الحزب الجمهوري انتقاما من هجوم وينستين على مرشحهم وتأييده القوي للحزب الديمقراطي.

ما الذي يمكن أن ينعكس على هوليوود نتيجة هذه الأزمة التي لم تعرفها منذ زمن الماكارثية، إلى درجة أن البعض أصبح يشبه ما يجري في هوليوود حاليا بـ”تعقّب الساحرات”، فبعد وينستين ومنذ انفجار الفضيحة في أكتوبر الماضي، برزت اتهامات أخرى إلى عدد من المخرجين والممثلين طالت المخرج المرموق أوليفر ستون، والمخرج جيمس توباك، والممثل الكبير داستين هوفمان وزميله الشهير كيفن سبايسي، وبن أفليك، وإد ويستويك، وروي برايس رئيس شركة “أمازون” للإنتاج السينمائي والتلفزيوني الذي اضطرّ إلى الاستقالة من منصبه.

ما الذي يحدث بالضبط؟ وما مغزى ذلك؟ ولماذا حدث الآن وليس قبل ذلك؟ ولماذا كانت هوليوود تتغاضى عن الكثير من المزاعم والاتهامات الأخرى التي تعرض لها بعض مشاهير نجومها؟

من الغريب أن غالبية المزاعم والاتهامات بالتحرش الجنسي تعود إلى زمن قديم مضى، إلى الثمانينات والتسعينات، ولكن الأمر تم التغاضي عنه إلى أن صرّحت واحدة أو اثنتان بما تعرضت له، والغريب أيضا أن معظم ما صدر من مزاعم أو اتهامات يتضمن أشياء سطحية بسيطة للغاية يمكن تفسيرها في الظروف العادية بالملاطفة الحميميّة بين من يعملون معا في مجال واحد يقوم أساسا على فكرة “التشخيص” و”العرض”، كأن يضع أحدهم يده فوق كتف ممثلة أو يمتدح جمالها ورشاقة قوامها مثلا، وهي أمور تحدث يوميا في عالمنا دون أن يترتّب عليها توجيه أي اتهامات.

وعندما نقول إنها كلها “مزاعم”، فليس المقصود التخفيف أو التهوين مما يمكن أن يكون قد حدث بالفعل من تجاوزات أخلاقية، بل الالتزام بمبدأ أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”.

هوليوود التي تنتفض اليوم بدعوى الأخلاق، تناست أن المخرج رومان بولانسكي أدين بشكل نهائي من جانب القضاء الأميركي وأنه مطلوب للعدالة لقضاء عقوبة السجن في الولايات المتحدة، ولكنه يرفض تسليم نفسه، والأكاديمية الأميركية لعلوم وفنون السينما لم تسحب جائزة الأوسكار التي منحتها له منذ سنوات، كذلك غفرت هوليوود للمخرج الشهير وودي ألين كل ما نسب إليه من اتهامات من جانب زوجته وابنته بالتبني.

لقد عرفت هوليوود مدمني مخدرات وقتلة وأعضاء فاعلين في عصابات المافيا، ولكن أحدا لم يوقف أفلامهم ويشطبها ولم يطردهم من العمل. والرأي الأصوب، أننا لا يجب أن نعرض عن مشاهدة أفلام الذين تلاحقهم الاتهامات حاليا، فلا يجب أن نسقط عليها أحكاما أخلاقية ترتبط بما يمكن أن يكون قد صدر عن صناعها، فالمهم أن نحكم على المستوى الفني للفيلم نفسه من داخله، وهذا ما يهمّ أولا وأخيرا.

ناقد سينمائي مصري

16