هوليوود والمافيا

الأربعاء 2016/02/03

ستظل علاقـة قلعـة صناعـة السينما العالمية في هوليوود بالمـافيا تجذب الكثير من الباحثين، فلا شك أن لأضواء هوليوود سحرها الخاص، لكـونها بؤرة للنشاط المالي الضخم وصنع النجوم، وكـانت المافيا تريد دائمـا بسـط سيطرتهـا، على الصناعة، وعلى نجوم السينما.

قبل ثلاث سنوات صدر كتاب بعنوان “قلب هوليوود المظلم”، وفيه يروي مؤلفه دوغلاس ثومبسون، كيف هزّ انفجار عنيف ضاحية برنتوود الراقية في لوس أنجليس بعد ظهر أحد أيام صيف عام 1950، ممّا أدّى إلى تدمير منزل فخم في شارع مورينو أفينيو الهادئ لصاحبه ميكي كوهين رجل المافيا الشهير. وكان وراء التفجير منافس له من داخل المافيا هو جاك دراغنا الذي أراد وقتها، أن يرث كوهين في السيطرة على نشاط العصابة داخل هوليوود.

ويروي المـؤلف أن جـوني روسيللي، كان أفضـل مـن يمثـل المافيا في هوليوود بفضـل مـا كـان يتمتـع بـه مـن وسامة مـع جاذبية خاصة للنساء، جعلته ينجح في إقامة علاقات غـراميـة مـع بيتي هاتون ولانا تيرنر، بل وحتى مع الممثلة جونا ريد صاحبة الوجه البريء نجمة فيلم “إنها حياة رائعة”. وقـد أطلقوا عليـه “هنري كيسنجـر الإجرامي” بسبب مهاراته الدبلوماسية، لكنه كـان يقـوم أيضـا بتدبيـر الكثير مـن عمليـات القتل.

وكان روسيللي هو الذي قام بزيارة إلى المنتج الهوليوودي هاري كوهن لإقناعه عن طريق التهديد بالقتل، بإسناد دور إلى سيناترا في فيلم “من هنا إلى الأبدية” أمام بيرت لانكستر ومونتغومري كليفت ودونا ريد عشيقة روسيللي السابقة، وهو ما صوره كوبولا في فيلم “الأب الروحي” بطريقته الخاصة.

يروي المؤلف أيضا، كيف أن المافيا تدخلت في العلاقة العاطفية بين المغني والممثل الأميركي الأسود سامي ديفيز، ونجمة هوليوود الشقراء الفاتنة كيم نوفاك، بعد أن رأت المافيا أن علاقتها بديفيز يمكن أن تقضي على مستقبلها كممثلة وتفقد المافيا بالتالي ما استثمرته فيها، فأرسلت إليه من يطلب منه قطع علاقته بها على الفور، وكانت المافيا تستثمر في ديفيز أيضا، لكنه تمادى في علاقته بها، فأرسلوا إليه من هدّده بالقتل، فقطع علاقته بها على الفور.

أما فيلم “الأب الروحي” (أو العرّاب) فقد وضعت المافيا في وجهه كل العراقيل الممكنة لكي توقف تصويره، وكان كوبولا كلما أراد التصوير في موقع ما في مدينة نيويورك فوجئ بالجهة التي اتفق معها تعلمه بإلغاء الاتفاق، أو سحب الترخيص.

واتضح أن وراء هذه العراقيل جو كولومبو، زعيم العائلات الخمس للمافيا النيويوركية الذي كان يخشى لفت أنظار المباحث الفيدرالية إلى العصابة بعد أن بذل جهودا كبيرة لتحسين سمعتها (وكانت شخصيته تشبه شخصية مايكل مورليوني وريث دون كورليوني التي قام بتمثيلها آل باتشينو)، وقد وصل الأمر إلى حدّ قيام عملاء كولومبو بنسف بوابة شركة بارامونت، كما تلقى منتج الفيلم روبرت إيفانز، تهديدا تليفونيا بالقتل من كولومبو إن لم يوقف التصوير، فقد كانت المافيا ترغب في وقف إنتاج الفيلم بأي ثمن.

انتهى الأمر إلى عقد اجتماعات بين ممثلين عن فريق الإنتاج والمافيا، وطلبت المافيا شطب كلمة مافيـا من الفيلم تماما، وتمت الاستجابة لمطلبها، ثم أعادت المافيا النظر في موقفها، فقررت الوقوف بقوة وراء الفيلم وأشاعت دعاية تقول إنه “فيلمها”، ففتحت أمام فريق الإنتاج كـل الأبـواب المغلقـة في نيويورك.

يقول مؤلف الكتاب إن هوليوود كانت دائما تجذب المافيا للاستثمار في أفلامها، وكانت شركات الإنتاج السينمائي تدار بطريقة مغلقة تشبه إدارة كازينوهات القمار، وكان العامل المشترك بين منتجي هوليوود ورجال المافيا يتمثل في كونهم ينتمون إلى أصول يهودية أو صقلية، وكانوا يرغبون في المحافظة على وجودهم ونشاطهم بعيدا عن عيون الآخرين الغرباء. ويضيف أن المافيا فقدت في العصر الحديث اهتمامها بهوليوود ونقلت نشاطها إلى موسكو.

ناقد سينمائي من مصر مقيم في لندن

16