هويات فائضة ومواطنة ناقصة

الكثير من المثقفين التونسيين وفي إطار سجالهم مع حركة النهضة حول "مدنية الدولة والعمل السياسي" انخرطوا بشكل واع أو غير واع في ملعب الإخوان.
الثلاثاء 2018/02/27
عندما يتحول المعطى الديني إلى كوتا انتخابية لدى النهضة

طغى اسم المواطن التونسي سيمون سلامة على المشهد الانتخابي البلدي الراهن، وذلك بعد أن تقدّم بترشحه للمجلس البلدي في محافظة المنستير على قائمة حركة النهضة.

وظفت النهضة معطى انخراط مواطن تونسي من ديانة يهودية في قائمتها الانتخابية لتقديم الدليل الأوفى على أنها ملتزمة بمخرجات مؤتمرها الوطني الأخير القاضي بمدنية الحركة وبفصل الدعوي عن السياسي أو هكذا تعلن على الأقل.

وفي مسعاها لتعميم البرهنة المدنية، لم تلتفت حركة النهضة إلى أن التركيز على الديانة في منظومة مدنية، يسيء إلى مفهوم المدنية ويضرب في الصميم مبدأ المواطنة. ذلك أن تحويل النقاش السياسي من أفكار ومشاريع ومقاربات وبدائل وخيارات تهم المجموعة الوطنية والصالح العام، إلى سجال حول ديانة مترشح أو لغته أو جنسه أو عرقه، هو فعل ارتكاسي في مفهوم النقاش العام وقيمة انتكاسية في مبدأ المواطنة.

المفارقة في السياق السياسي التونسي أنه كلما اعتمدت خطوة سياسية انتخابية إلى الأمام لصالح الفعل الانتخابي الشعبي، كلما أشاحت عن خطوات إلى الخلف من حيث منظومة التعاقد الاجتماعي والمنظومة المدنية.

فأن يستمر الجدال الإعلامي والسياسي نحو أسبوع كامل حول ديانة سيمون سلامة، وأن يُغض الطرف عن هويته المدنية بأنه قبل كل شيء تونسي الجنسية والأوراق الثبوتية، هما دليل ثابت على أن استكناه الديمقراطية في بعدها المدني لم يحصل بعد، حتى وإن أقررنا بأن تونس بلغت أشواطا محترمة في أبعاد الديمقراطية الانتخابية.

فالديمقراطية ثقافة ومسلكية ومنظومة حقوق وواجبات تقتضي اقتناعا في الوعي والممارسة بأنّ الأفراد والذواتات الحرة والمستقلة والمسؤولة تتعاقد في ما بينها لتشكيل الدولة الميثاقية القائمة على الحريات الفردية والجماعية، بمعنى أن دولة المواطنة تبنى على مفهوم التجمع الفردي المستقل، لا على مبدأ الجماعات الوشائجية أو على هويات ما قبل الدولة وما بعدها.

بمقتضى ما تقدم تكون النهضة قد جمعت بين متناقضين اثنين، أي أنها وفي غمرة تسويقها لمشروعها الوطني والمدني عبر استقدام سيمون سلامة إلى صفوفها أعادت الحوار المدني إلى ثنائية الأقلية والأغلبية والجماعة الرافدة والوافدة، والمتدين وغير المتدين، أي بعبارة أدقّ أعادت الموضوع إلى سياق ما قبل العقد الاجتماعي.

والخشية ليست من انخراط كافة المواطنين التونسيين أيا كانت ديانتهم من عدمها، في الحقل السياسي وإنما من توصيفهم وتصنيفهم الديني أو العرقي وتحويل هذا الرسم الديني إما إلى تلازمية استنقاصية تستجلب فوقية الغالبية التي تستدر مقولات التسامح الديني وادعاءات المبدئية المواطنية الكاذبة، وإما أن يتحول المعطى الديني إلى كوتا انتخابية تستحيل بمقتضى الحال إلى محاصصة ناعمة لا فقط حيال الديانات، وإنما أيضا حيال كل المتمايزين ثقافيا ولغويا عن الغالبية.

الكثير من المثقفين التونسيين وفي إطار سجالهم مع حركة النهضة حول “مدنية الدولة والعمل السياسي” انخرطوا بشكل واع أو غير واع في ملعب الإخوان، أي في السياق الذي تريد النهضة أن يدور حوله النقاش.فمطلبية إدماج المثليين والملحدين في صفوفها، يرجع السجال إلى الماهية الدينية والجنسية للفاعل السياسي، في حين أن الاستحقاق المواطني يقوم على التعاقد من حيث الحقوق والواجبات مع الدولة.

أي أن البقاء ضمن حدود الدين والجنس والعرق واللغة في المجال السياسي هو بقاء ضمن ملعب النهضة، وفي الإطار الذي تريد النهضة أن يرهن ويرتهن الحوار فيه، بمعنى “محاكم تفتيش” هوياتية قبل المعركة السياسية وتحويل الفضاء السياسي من مجال مواطني دولة إلى رعايا هويات.

والبديل في ذلك أن تدفع النهضة وباقي الأحزاب السياسية، إن كانت جادة في الموضوع، إلى الانخراط الفعلي ضمن المواطنة الحقيقية وأن ترفع القيود عن استحصال كافة المواطنين على الحقوق المدنية في الترشح والوصول إلى المواقع السيادية في الدولة.

ولا تعني المقدمات المطروحة انتزاع الهويات من الفضاء العام، بقدر ما تعني نزع الهويات من العمل السياسي وهو جوهر ثقافة المواطنة المتساوية، وهو بالضبط ما سماه المفكر المصري عبدالوهاب المسيري بالفرق بين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، وما وصفناه في أكثر من مقال بالفرق بين المواطنة الثقافية وثقافة المواطنة.

9