هوية أنثوية في عالم من النايلون

الأحد 2017/12/10
جسد المرأة محرك للعالم

برشلونة - سلسلة من علاقات الهيمنة والقوة المرتبطة بالنظام الذكوري أزاحت "المؤنث" عن الصيغة الفيزيولوجيّة نحو صيغة جماليّة مصنّعة سياسياً لخدمة رأس المال والمؤسسة الاستهلاكيّة، ليغدو التأنيث وسماً يمكن التلاعب به وتحويره بما يخدم من يُوظّفه سواء ضمن الخطاب الديني أو ضمن الاستهلاك السلعيّ أو حتى ضمن سياسات السلطة، ليغدو التأنيث نسقاً يمكن عبره رصد تاريخ السلطة السياسية والعلاقات الاجتماعية وآليات ممارسة السيادة على الجسد سواء كان العائدة للمرأة وللرجل إلى جانب تكريس اختلاف طبيعيّ بين أدنى/أنثى وأسمى/ذكر.

يصف القائمون على صالة عرض “موتو” في برشلونة بأنها فضاء متعدد الاستعمالات، لا تلتزم بشكل واحد أو نوع فنيّ محدد، فهي تستضيف الفنون البصرية والتشكيليّة إلى جانب المسرح والموسيقى وفنون الأداء من مختلف أنحاء العالم، وحالياً تشهد الصالة معرض تصوير فوتوغرافيّ للفنانة الألمانيّة جوليا فولكينهاور بعنوان “هويّات مؤنّثة”، وفيه تحاول فولكينهاور تفكيك وضعيات الأنثى المعاصرة وصورها سواء ضمن خطاب الموضة أو الفن أو الجمال الاستهلاكيّ معتمدةً على أجساد ذكور وإناث، إذ تسائل التأنيث بوصفه هويّة تفرضها الذكورة على الجسد الأنثويّ، لتفتضح تقنيات استعراض الجسد الأنثويّ وتشكيله ذكورياً عبر خلق بارودي مع صور سابقة تستغل جسد الأنثى بوصفه علامة تجاريّة.

التعرية التي تمارسها جوليا فولكينهاور في أعمالها تسعى لفضح الأدوار المرسومة للأنثى، كاشفة عن المسارات التي يتحرك عبرها جسد المرأة، وهذه الخيوط تخلق الوهم بالحرية وتكرس التجانس الاصطناعي

يختلف هذا المعرض عن أعمال الفنانة السابقة التي فيها نرى الصور ملتقطة ضمن فضاءات عموميّة تنتمي للمدينة ككراج أو موقف باص وغيرها، ففي هويات مؤنثة نشاهد فضاءات بيضاء محايدة، وكل صورة تحوي أجساداً وغرضاً واحدا فقط كقطعة فاكهة أو جمجمة أو رأس دمية بلاستيكيّة، وما يجمع بينها هو التشكيلات والوضعيات المستوحاة من صور مجلات الأزياء، لكن بعكس ما اعتدناه في هذا النوع من الصور تُجرّد الفنانة الأجساد من البهرجة الاستهلاكية، لنراها تلبس ما يشبه الستر الواقية من الرصاص أو ملفوفة بأكياس بلاستيكيّة ممزقة، كما توظف أيضا جسد الرجل بوصفه تابعاً للأنثى، أو خاضعاً لذات تقنيات الأداء التي تُفرض عليها، ليبدو أحياناً ضعيفاً، هزيلاً شاحبا و بلا ملامح إثر خضوعه لمعايير الاستهلاك، وأحيانا يتداخل الجسدان إثر عمليات التعليب البلاستيكية التي نراها أمامنا، لتغدو الحدود بين الجنسين ضبابية بسبب وضعية الاستعراض التي تجعل أي “جسد” صالحا للتبادل.

سلسلة الصور تحاول زعزعة البنية الاستهلاكيّة التي تُنمذج جسد المرأة، إذ نرى قطعة لحم تغطّي وجه عارضة في إحدى الصور، أما الغلاف البلاستيكي الملتف حول جسدها أشبه بتغليف السلع الجاهزة للاستخدام، جاعلاً إياها لحماً صالحاً “للأكل” عوضاً عن فرد، لنرى بعدها إحداهن تحمل رأس “مانيكان” كذلك المستخدم في محلات الثياب، المقاييس التي يمتلكها دقيقة وصناعية، فهو واحد من آلاف النماذج المتطابقة وليدة الآلات والماكينات، أما من تحمل الرأس البلاستيكي فتقف وراءه كعارضة أزياء مخفية أجزاء من وجهها، في إحالة إلى مقاييس الجمال الاستهلاكيّ التي تسعى لخلق التشابه التام بين كل الإناث، ليصبحن ذوات مقاييس واحدة، كالمانيكانات، لا اختلاف بينهن، كلهن رشيقات ونحيلات، يخضعن لذات الأرقام المبرمجة مسبقاً ضمن آلة إنتاج المانيكانات.

التّعرية التي تمارسها الفنانة في أعمالها تسعى لفضح الأدوار المرسومة للأنثى، كاشفة عن المسارات التي يتحرك عبرها جسد المرأة، وهذه الخيوط تخلق الوهم بالحريّة وتكرس التجانس الاصطناعيّ، فهي الأنساق المصنّعة خصيصاً كي يتم تلقي جسد الأنثى غرائزياً، فالصّور تكشف عن معالم القضبان التي تأسر الجسد المؤنث، وكيفية تحرّكه ضمن الحدود المرسومة، أما الأغراض التي تحملها العارضة في كل صورة فهي أشبه بأيقونة تختزن سلطة مؤسسة أو خطابا بأكمله.

الوضعيات الصناعيّة التي ينتقدها المعرض تؤثر على إدراك الأنثى لجسدها وموقفها منه، ففي إحدى الصور بعنوان “صورة شخصيّة عن الخوف من التقدم بالعمل” نرى العارضة تخفي وجهها بشعرها وتحمل جمجمةً، وكأن التقدم في العمر لعنة وهاجس دائم، يفقد إثره جسدُ الأنثى ألقه وقيمته التبادليّة، كونه لم يعد يطابق المعايير الذكوريّة.

13