هوية إيطالية بوصاية صينية

الأحد 2017/01/29

لم تكن الكرة الصينية أبدا منجما للأبطال واللاعبين الموهوبين، ولم تكن يوما صاحبة الرّيادة عالميا وقاريا، لكن في الفترات الأخيرة بدأ الجميع يتحدث بإسهاب عن التجربة الصينية المستحدثة في سوق اللاعبين من نجوم الصف الأول عالميا، سوق بدأت منذ مواسم قليلة تستهوي اللاعبين، بل وتغريهم باللعب في دوري صيني كان فيما مضى يعتبر من الدوريات الضعيفة.

السبب في ذلك واضح وبسيط، وكل من يتابع أخبار الساحرة المستديرة يعرف بلا شك أن ضخ الأموال بشكل "جنوني" في سوق الكرة الصينية من قبل مستثمرين أثرياء أسال لعاب بعض النجوم الذين لم يحلموا في السابق بالحصول على عائدات مالية مغرية للغاية، حتى وإن لعبوا مع أعتى الفرق في العالم وأغناها.

اليوم، أعادت السوق الصينية "الشباب" للأرجنتيني كارلوس تيفيز بصفقة قياسية تجاوزت كل حدود المنطق، رحل هناك وبدأ تجربة جديدة في خريف عمره الرياضي، رحل أيضا نخبة من النجوم البرازيلية مثل راميريز ثم أوسكار وهالكه، والدور اليوم سيأتي على ألكسندر باتو الذي فضّل دفء الأموال الصينية على نجاح تجربته الإسبانية مع فياريال، وغيرهم كثر، والقائمة بلا شك لن تقتصر على هؤلاء اللاعبين مادام “شلّال” الأموال مستمرا في التدفق لسنوات إضافية أخرى.

بيد أن الحديث عن الغزو الصيني لا يقف عند رغبة الأندية في بلاد "السور العظيم" بتطوير مستواها وتحسين نتائجها من خلال القيام بانتدابات “جنونية”، بل يتعدى الأمر إلى أبعد من ذلك ليصل إلى غاية الغزو الخارجي وبدء مرحلة الاستثمار في أقوى الدوريات العالمية.

بدأ الاستثمار الصيني صلب الأندية الأوروبية في عدة بلدان مثل فرنسا وإسبانيا وإنكلترا، لكن حاليا تبدو التجربة الأكثر دفعا للتفكير في هكذا أمر هو ما يحصل مع ناديي مدينة ميلانو الإيطالية ميلان والإنتر، فملايين المستثمر الصيني عوضت الدعم السخي لسيلفيو بيرلسكوني لنادي ميلان بعد سنوات كان خلالها الفريق “اللومباردي” علامة إيطالية بامتياز، اليوم أيضا نجح المستثمر الصيني في الظفر بالحصة الأكبر في امتلاك إنتر ميلان، بل إن الأيام القادمة ستعرف رحيل رجل الأعمال الماليزي توهير، تاركا الجمل بما حمل لمنافسيه الأثرياء من الصين.

قريبا جدا سيتم الإعلان عن تفريط الماليزي توهير في بقية حصته فيما يتعلق بامتلاك النادي، والشاري بلا شك سيكون مجموعة استثمارية صينية بدأت منذ فترة في التخطيط لامتلاك إنتر ميلان مع تقديم وعود عديدة بإعادة النادي إلى مصاف الأندية الكبرى في إيطاليا وأوروبا.

بدأ العمل فعليا وبدأ التخطيط للمستقبل، مفاوضات مستمرة بين الملّاك الجدد والإدارة الفنية وتحمّس لإعادة بناء الفريق من جديد، لكن الخبر البارز في هذا السياق يتعلق بوجود رغبة مشتركة في إعادة الهوية الإيطالية للنادي، فبناء على فكر المدرب الحالي لـ”النيرازوي” ستيفانو بيولي فإن بناء فريق مهاب قادر على التألق مستقبلا يتأسس عبر تكوين فريق عماده لاعبون إيطاليون.

والفكرة هنا تكشف عن حنين لحقبة من الزمن عرفت خلالها الكرة الإيطالية مجدها وتحديدا مع الميلان خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، في تلك الفترة حقق الميلان إنجازات رائعة وبسط نفوذه أوروبيا وعالميا، بقيادة المدرب أريغو ساكي ووجود نخبة من النجوم المتألقة أبرزهم لاعبون إيطاليون على غرار باريزي ومالديني وتاسوتي وكوستاكورتا ودونادوني.

وبما أن المستثمر الصيني الجديد بدا مستعدا لتنفيذ أيّ مخطط بناء مستقبلي، فإن المدرب بيولي الذي نجح منذ توليه مهمة الإشراف على الفريق قبل حوالي شهرين في إعادة الإنتر إلى سكة الانتصارات والنتائج الباهرة، يدرك جيدا أنه سيضمن البقاء لموسم آخر على أقل تقدير مادام الجميع راضيا بما يتحقق حاليا، لذلك لا بد من اقتناص الفرصة، وبدء رحلة إكساء النادي ذلك الطابع الإيطالي المفقود منذ سنوات غابرة.

فترة المشاورات بين صاحب المال وصاحب الفكرة في النادي انطلقت بعد، وانطلق معها التنفيذ، ذلك أن بيولي وضع على قائمة "المشتريات" عددا من النجوم الصاعدين في إيطاليا، هم لاعبون صغار السن بمقدورهم تطوير قدراتهم بمرور الوقت واكتساب الخبرة، وأولى ثمرات هذه المشاورات تجسمت من خلال النجاح في ضم موهبة نادي أتلانتا روبرتو جاليارديني الذي وقّع منذ أيام عقدا لموسمين على سبيل الإعارة مع الإنتر.

هي خطوة أولى من الثابت أن تتبعها خطوات أخرى، ومادام المال موجودا فلا خوف من المنافسة القوية في السوق، حتى وإن كان نادي يوفنتوس القوي في السباق، ومن المؤكد أن “النيرازوري” مقبل على صائفة ساخنة في سوق الانتقالات بعد أن وضع بيولي نصب عينيه عدة لاعبين شبان لفتوا الأنظار في هذا الموسم، وأكدوا قدرتهم على المساهمة في إعادة الهيبة للإنتر متى توفرت أمامهم الفرصة المواتية.

قريبا جدا سيكون للفريق لونه الإيطالي، بما أنه بدأ يتخلى عن سياسته القديمة التي ترتكز على تكديس اللاعبين من دوريات أخرى دون التفكير مليّا في مدى قدرتهم على النجاح، وبما أن هذا المستثمر الصيني يدرك جيدا أن تثبيت أقدامه في إيطاليا يتطلب شرط توفير الاعتمادات المالية الضرورية والإنصات إلى الخبراء من الفنيين في النادي، فإن خطة إحياء النادي وإعادته لهويته المفقودة تملك إلى حد الآن كافة شروط النجاح، لكن بوصاية صينية.

كاتب صحافي تونسي

23