هوية الأدب

هوية الأدب بمعنى من المعاني هي أدب الهوية بمعناه الأشمل، الأدب بصيغة الانفتاح على الآخرين، الإثراء بهم ومن خلالهم، التكامل معهم، وإظهار الهوية الإنسانية التي تتّسع للمختلفين.
الاثنين 2018/04/30
هايدغر صرح أن الكينونة تعبر نحو ذاتها من خلال اللغة

هل للأدب هوية؟ هل يمكن تأطير الأدب في إطار هويّة محدّدة؟ هل يحمل الأدب هوية إثنية صاحبه؟ هل يحمل هوية اللغة التي يكتب بها؟ هل تتحدّد هوية الأدب بناء على الموضوع الذي يعالجه؟

لا يخفى أنّ هناك آراء تكاد تكون متضاربة في مقاربة هوية الأدب، حتّى أنّ الهوية تكاد تكون مفهوما إشكاليا، تظل موضع تجاذبات، وأخذ وردّ، وهناك مَن يقوم بمحاصرتها وتضييق حدودها، مقابل آخرين يحاولون إضفاء المزيد من الرحابة والاتّساع عليها.

قارب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1889-1976) في كتابه “الفلسفة، الهوية والذات” مسألة الهوية ولفت إلى أن الهوية تشكل خاصية أساسية لكينونة الموجود، وأنه حيثما قمنا بعلاقة كيفما كانت مع موجود نجد أنفسنا بصدد نداء الهوية، ويجد أنه دون هذا النداء لا يمكن للموجود أن يظهر في كينونته، وبالتالي يستحيل العلم تماما لأن العلم لا يمكن أن يكون كذلك إذا لم تكن هوية موضوعه مضمونة في كل لحظة بشكل مسبق.

يفسر الهوية على أنها انتماء مشترك، يعالج مفاهيم الاختلاف والتنوع والاستفسار والانتماء المتبادل، ويجد أن الانتماء المتبادل بين الإنسان والكينونة في صيغته كإرغام متبادل يقود نحو ملاحظة مقلقة، وهي أننا نرى بسهولة كيف أن الإنسان في ما يخصه يتبع الكينونة، في حين أن الكينونة وبصدد ما يعنيها تعرج على ماهية الإنسان. كما يجد أن التملك المتبادل هو مجال لنبضات داخلية، إذ عبره يبلغ الإنسان والكينونة أحدهما ماهية الآخر ويستعيدان كينونتيهما، ويجد أن ذلك في الوقت نفسه الذي يفقدان فيه المحددات التي أعطتهما الميتافيزيقيا.

هناك آراء تكاد تكون متضاربة في مقاربة هوية الأدب، حتّى أنّ الهوية تكاد تكون مفهوما إشكاليا، تظل موضع تجاذبات، وأخذ وردّ

يكتب هايدغر في مناقشته ماهية الهوية أنه مهما كان الذي حاول التفكير فيه، ومهما كانت الطريقة التي تقوله بها، فإنه يفكر في فضاء التراب، ويجد أن التراث يوجه المفكرين عندما يحررهم من الفكر الاتباعي كي يعلمهم التفكير في ما هو أمامهم، الأمر الذي لا يعني تسطير مخططات، بحسب تعبيره. ويجد كذلك أنه حين يلتفت التأمل إلى ما تم التفكير فيه، آنذاك فقط يكون المفكرون في خدمة ما تبقى للتفكير.

يتحدث عن أدوار الأدباء والشعراء والمفكرين في الفلسفة وحراسة اللغة وضخها بالإبداع، يصرح أن الكينونة تعبر نحو ذاتها من خلال اللغة، وأن اللغة مسكن الكينونة حيث يعيش الإنسان في ملجئها، وأن المفكرين والشعراء هم حراس هذا الملجأ، وحراستهم إنجاز لفعل انكشاف الكينونة من حيث أنهم يجعلون هذا الانكشاف ينفذ إلى اللغة عبر قولهم إذ يحفظونه فيها.

هوية الأدب بمعنى من المعاني هي أدب الهوية بمعناه الأشمل، الأدب بصيغة الانفتاح على الآخرين، الإثراء بهم ومن خلالهم، التكامل معهم، وإظهار الهوية الإنسانية التي تتّسع للمختلفين والمفترضين الاستعداء في ما بينهم. ومن هنا يكون الأدب صاهرا للهويات مانحا إياها هوية إنسانية رحبة غير محدودة، هي هوية الأدب العابرة للأزمنة والاختلافات.

15