هوية الأدب الجزائري بين الفرنسية والأصالة

الأربعاء 2016/10/05
أفق انتظار القارئ

بيروت – يشير كتاب “استراتيجية التلقي في أعمال كاتب ياسين”، للكاتبة الجزائرية كريمة بلخامسة إلى التحولات التي عاشها المبدعون الجزائريون بعد الاستقلال وما حملته من تحول سياسي واجتماعي وثقافي، حيث وجدوا أنفسهم في مواجهة سؤال حاسم “لمن نكتب؟”، أيكتبون للفرنسيين، كما كانت الحال من قبل، أم يكتبون للجزائريين؟ لكن في هذه الحالة الأخيرة من سيقرأ ما يكتبون إذا كانت الأمية عندما غادر الفرنسيون الجزائر قد بلغت 85 بالمئة؟

يتخذ الكتاب، الصادر عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف – بيروت 2016، من الأعمال الأدبية للأديب الجزائري كاتب ياسين نموذجا يترجم هذه الحيرة التي عاشها الكُتّاب بعد الاستقلال، قبل أن يقرر التخلي نهائيا عن الكتابة بالفرنسية.. إذ اتجه منذ السبعينات من القرن الماضي، إلى كتابة المسرح باللهجة العامية الجزائرية؛ باعتباره كاتباً يؤمن بحتمية التواصل مع طبقة الشعب، لكن حاجز الأمية كان العائق الذي يفرق بينه وبين جمهوره.

وهكذا تتخذه المؤلفة نموذجا للأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية قبل خروج الفرنسيين؛ في محاولة لاستكشافه ومعرفة رد فعل القارئ الجزائري تجاه هذا الأدب، دارسة كيف كان تجاوبه في خضم هذه الإشكالية التي أحاطت به منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، وطبيعة انقسام الآراء حول مسألة انتسابه، ومعرفة كيف قرأ القارئ هذا الإبداع وما هي أسس هذه القراءة ودلالاتها.

ومن مضمون دراسات الكتاب، نتبين أنه يركز بوضوح، بداية، على أعمال كاتب ياسين في الفترة ما بين 1950 إلى 1996، وهي الفترة التي كان يكتب فيها بالفرنسية.

وتحاول المؤلفة من خلال فصول الكتاب الأربعة احتواء هذه الإشكالية. فركز الأول على رواية “نجمة” ومسرحية “الجثة المطوّقة”، وتوسعت في البحث بهما عن كيفية تجسيد مفهوم القارئ الضمني، الذي يعتبر المحرك المحوري للعملية التواصلية، مبينة أنه مصدر التفاعل بين الكاتب والنص والقارئ.. ومحاولة اكتشاف علامات حضوره في النص الروائي والنص المسرحي.

وتعمد المؤلفة في الفصل الثاني إلى تفكيك الاستراتيجيات النصية في أعمال كاتب ياسين وعلاقتها بقيام فعل التلقي، وذلك بدراسة مفهوم الرصيد، وهذه المرجعية السياقية وتأثيرها في إحداث فعل القراءة، وتوجيه القراء، بموازاة تشريح الصورة الأمامية والخلفية التي ينبني عليهما هذان الخطابان. ويتتبع الكتاب في فصله الثالث، حركة التلقي في أعمال كاتب ياسين المختلفة، ويخضعها إلى مبدأ التاريخ وإسهامه في تشكيل فعل التلقي. ومن ثم ترصد المؤلفة فعل القراءة وأفق انتظار الناس في مختلف الحقب التاريخية وكيفية انتقال حركة التلقي من زمن لآخر والمرجعية وتأثيرها في مدى تجاوب القارئ مع التجربة الإبداعية.

ويستكمل الفصل الرابع حركة التلقي وأفق انتظار القارئ بالتركيز على تجربة القارئ الجزائري ورصد مجموع القراءات التي ميزّت الأخير، خاصة عن غيره من القراء عبر العالم، وكذا يعتني به في محاولة معرفة خصوصيات هذه القراءة والخلفيات المرجعية التي وجهت مسار حركة القراءة.

14