هوية المرأة تضيع وسط تزاحم الأقنعة

اختيار المرأة للمظهر الذي تريد أن تكون عليه ليس جريمة في أغلب قوانين دول العالم إلا أنها قد تعاقب في بعض المجتمعات لارتدائها تنورة قصيرة بسبب “الإخلال بالحياء العام”، وهذه التهمة قد تقودها إلى السجن رغم أن لها الحق في ارتداء اللباس الذي تريده.
الأحد 2017/10/08
الاختلاف في المظهر لا يفسد الود بين التونسيات

تكفل مواثيق الأمم المتحدة ودساتير معظم دول العالم للمرأة حرية اختيار الملبس الذي تريده، غير أن المرأة التي لا تلتزم بالنماذج المحدّدة للملابس التي فرضتها بعض الدول تواجه عقوبات صارمة تتراوح بين الغرامة والحبس وحتى الجلد.

وتعرضت تالا راسي الإيرانية لعقوبة الجلد 40 جلدة بسبب ارتدائها تنورة قصيرة يوم عيد ميلادها السادس عشر في عام 1998، ومنذ ذلك الحين دخلت راسي عالم التصميم والموضة، وساعدها جواز سفرها الأميركي على شق طريقها نحو الحرية.

ودوّنت راسي تجربتها في كتاب عنونته بـ”الموضة حرية”، أرادت من خلاله أن تدعو بنات جنسها إلى التمرد على القانون الذي يجبر المرأة على ارتداء الحجاب.

وكانت النساء الإيرانيات قبل الثورة الإسلامية في 1979 يرتدين الملابس الغربية مثل التنانير القصيرة والبلوزات ذات نصف الكمّ، ولكن هذا كله تغير عندما تولى آية الله الخميني السلطة.

وليس ارتداء الحجاب إجباريا في جميع الدول العربية والإسلامية ولكن القوانين العشائرية والعادات والتقاليد وسلطة رجال الدين تفرض قيودا بالجملة على لباس المرأة تماشيا مع التفسير المتشدد للشريعة الإسلامية.

وتستعين البعض من الدول بشرطة دينية مهمتها التصدي للمظاهر التي تقول إنها تتعارض مع العفة العامة وتخلّ بالحياء.

وكشف استطلاع أجراه معهد جامعة ميتشيغان الأميركية للبحوث الاجتماعية في سبع دول إسلامية -بينها خمس عربية- أن معظم الناس يفضّلون حجب المرأة المسلمة لشعرها بالكامل دون وجهها خلال وجودها في الأماكن العامة.

وشمل الاستطلاع مواطنين تم انتقاؤهم بشكل عشوائي من تونس ومصر والعراق ولبنان والسعودية إضافة إلى تركيا وباكستان أجابوا عن سؤالين: الأول وكان “ما هو اللباس الأنسب للمرأة أثناء تجوالها في الأماكن العامة؟”. وأُعطي المشاركون في الاستطلاع الاختيار بين ستّ صور لسيدات ترتدي الأولى البرقع والثانية النقاب والثالثة حجابا أسود والرابعة حجابا أبيض والخامسة حجابا ملونا فيما ظهرت في الصورة السادسة سيدة مكشوفة الرأس.

سمية السامرائي: الحرية الشخصية أصبحت في أوطاننا العربية مرهونة بما يريده المجتمع

وفي السؤال الثاني طلب من المشاركين في الاستطلاع إبداء رأيهم في ما إذا كان من الضروري منح المرأة حرية اختيار الزيّ الذي ترتضيه لنفسها.

وردا على السؤال الأول اختار غالبية المشاركين في الاستطلاع من الدول العربية الخمس صورة السيدة التي ترتدي حجابا أبيض، واعتبروه الزيّ الذي يـُفضَل أن ترتديه المرأة خلال تجوالها في الأماكن العامة. وحاز زي الحجاب الأبيض على نسبة تأييد 57 بالمئة من التونسيين و52 بالمئة من المصريين و44 بالمئة من العراقيين وعلى نسبة أقل بين اللبنانيين 32 بالمئة، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 10 بالمئة فقط في السعودية.

وتبين من الاستطلاع أن السعوديين يفضلون ارتداء المرأة للنقاب في الأماكن العامة بنسبة 63 بالمئة وللبرقع 11 بالمئة، فيما رأى 3 بالمئة منهم أن كشف المرأة لرأسها في الأماكن العامة هو المظهر الأنسب. كما سُجّلت النسبة نفسها في العراق وارتفعت إلى 4 بالمئة في مصر و15 بالمئة في تونس و49 بالمئة في لبنان.

وبخصوص السؤال الثاني حول ما إذا كان من الضروري منح المرأة حرية اختيار الزيّ الذي ترتضيه لنفسها رأى 56 بالمئة من التونسيين أنه لا بد من ضمان تلك الحرية، وتبنت الموقف نفسه نسبة 49 بالمئة في لبنان و47 بالمئة في السعودية و27 بالمئة في العراق و14 بالمئة فقط في مصر.

معركة الحجاب

أثار الحجاب في السنوات الأخيرة سجالا كبيرا في الدول الأوروبية وتفاوتت الآراء والإجراءات الدولية الرادعة لصاحبات هذا الزيّ، وفي الوقت الذي أيّدت فيه فئة من الأوروبيين منع الحجاب في الأماكن العامة من منطلق ترسيخ مبدأ علمانية الدولة التي تقتضي بفصل الدين عن الدولة، ترى فئة أخرى أن منع الحجاب يتعارض مع حرية اللباس والتدين التي تكفلها الدساتير والقيم الأوروبية.

ومازال الجدل مستمرا في العديد من الأوساط الاجتماعية بين مدافع عن حرية المرأة في اختيار الملابس التي تروق لها وتعبّر عن هويتها وبين مشدد على ضرورة ارتدائها للزيّ الإسلامي واحترامها للقيم الدينية والثقافية للبلد الذي تعيش فيه.

واعتبرت الإعلامية العراقية سميّة السامرائي أن اللباس من الحريات الشخصية التي صادرها المجتمع وخضعت لسلطة الأعراف والتقاليد البالية في العديد من المجتمعات. وقالت السامرائي لـ”العرب”، “أعتقد جازمة أن اللباس حرية شخصيه لكن في أوطاننا العربية التي تراجع فيها كل شيء وانتهكت فيها الحقوق والحريات أصبح من غير المجدي الحديث عن حرية شخصية، فالحرية الشخصية باتت مرهونة بما يريده المجتمع”.

وأضافت “لقد كانت المرأة العراقية في سبعينات القرن العشرين حرة في اختيار ما يناسبها من ملابس، كنا نلبس التنورات القصيرة والملابس الملونة ونسير في الشارع مكشوفات الشعر، فلا أحد يعترض على ذلك أو ينظر إلينا نظرة مسترابة، في حين كانت المرأة التي ترتدي العباءة تثير الكثير من الشكوك حولها”.

وواصلت “لكن في بداية ثمانينات القرن الماضي بدأت ظاهرة تغطية الشعر بالظهور بشكل خجول، أي قليلة جدا، ربما كان ذلك بسبب الحرب مع إيران وكثرة الشهداء”.

وأوضحت السامرائي “أمّا في تسعينات القرن الماضي وإبان فترة حكم البعث في العراق وأثناء ما سمّي وقتها بالحملة الإيمانية، فقد أقبلت النساء بشكل لافت على تغطية رؤوسهن وارتداء الملابس الطويلة ولكن ذلك كان اختياريا أو لعله بسبب الخوف من الميليشيات الدينية، ولكني لم أحبذ هذا الزيّ يوما ولم أقتنع به”.

وأشارت “وبعد دخول الاحتلال الأميركي ووصول ميليشيات الملالي إلى العراق أصبح لزاما على المرأة العراقية لبس الحجاب، ومن تخرج عارية الرأس تتعرض للمضايقة أو تقتل وقد أزهقت أرواح الكثيرات بسبب عدم ارتداء للحجاب”.

وختمت السامرائي بقولها “لم يجلب لنا الإيرانيون سوى الدمار والتخلف، وقد تعمدوا تضييق الخناق على المرأة لأنها أساس الحضارة في كل بلد”.

رشيد الخيون: البالطو الأسود لم تعرفه المرأة العراقية من قبل بل فرضته الأحزاب الإسلامية

واعتبرت الكاتبة العراقية بان الخفاجي أنها محظوظة بارتداء الحجاب لأنه أولا وقبل كل شيء خيارها الذي لم يرغمها عليه أحد، وأيضا لأنه يحميها من المضايقات التي يمكن أن تتعرض لها في الشارع. وقالت الخفاجي لـ”العرب”، “أنا ارتدي الحجاب وهو خياري الشخصي ولم أجبر عليه، ولكن الكثير من الفتيات في العراق ممن يرتدين الجينز والتنورات القصيرة يتعرضن للمضايقات اللفظية بسبب ملابسهن”.

وأضافت “لطالما شهدت وخصوصا في أعوام ما قبل 2014 مسيحيات يتدلّى الصليب من أعناقهن، وفي نفس الوقت يرتدين الحجاب، فاستعجبت لأمرهن، ودفعني فضولي لسؤالهن عن السبب، فأكدن لي أن دافعهن هو الخوف من الميليشيات الدينية المسلحة”.

وواصلت “كما هو معروف نحن مجتمعات محافظة ولا أقول (منغلقة) أي أننا نعتقد بضرورة ممارسة الحرية الشخصية ضمن أطر وتعاليم الدين وأقصد بكلمة ‘الدين’ كل أديان السماء من اليهودية والمسيحية والصابئية والمسلمة”.

وأوضحت “كل أديان السماء أوصت باللباس المحتشم الذي يستر الجسد ويحفظ للإنسان هيبته وكرامته ويبين رفعته على سائر المخلوقات ولكلّ ديانة توجيهات خاصة بهذا الشأن واجب تطبيقها كما تقول وتتفق عليه كل تلك الأديان”.

واستدركت “لكن! لم يذكر نص واحد في أيّ ديانة بأن تؤذي أو تعذّب أو تتعدى على حرية من لم يلتزم بتعاليم الدين لأن الدين علاقة تربط الفرد بربه ولا طرف ثالث لهذه العلاقة”.

واعتبرت الخفاجي أن “كلّ نفس ملزمة أمام الله بحقوق وواجبات لا يحاسب إلا عليها، وبناء على ذلك فليس من حق أيّ شخص أن يكره غيره على فعل شيء تحت ذريعة الدين”.

وكسائر بقية النساء في البلدان العربية لم يكن من السهل على المرأة المغربية أن ترتدي ما يروق لها ولكن ذلك قبل أن يُدخل العاهل المغربي الملك محمد السادس الكثير من الإصلاحات على القوانين المنظمة للعلاقات الأسرية التي تعرف بـ”مدوّنة الأسرة”، ويمنح المرأة حقوقا متساوية مع الرجل، جعلتها تكون أكثر استقلالية وحرية في اختياراتها وأكثر مواكبة للعالم الحديث.

وقالت الطالبة الجامعية والمدونة المغربية لبنى العامري لـ”العرب”، “المغرب لم يكن يختلف عن باقي الدول العربية سوى في اللهجة، أما العادات الرجعية والتقاليد المتخلفة فتشابهت كثيرا، فلطالما اعتبرت المرأة المغربية عورة ويجب سترها بالحايك (لحاف سميك تغطى به المرأة من الرأس إلى القدمين) وحجبها عن اﻷنظار ومنعها من الدراسة”.

وأضافت العامري “المرأة المغربية لم تعد عن كونها دمية يشتريها الرجل ويضعها في صندوق موصد اﻷبواب، على اعتبار أنها ناقصة عقل ودين ومعدومة الحقوق ومكسورة الوتر وضعيفة الشخصية وأقل شأنا من الذكر! تأكل وتشرب بإذنه وتنام وتصحو بإذنه وترتدي ملابس على ذوقه”.

لبنى العامري: المرأة المغربية لها الحق في اختيار الصورة التي تريد أن تكون عليها

وواصلت “لقد ناضلت المرأة المغربية كثيرا لتحرّر نفسها من براثين الجهل واﻷمية وتحجز مكانة لها في المجتمع والتاريخ المغربي والعربي والعالمي على حد سواء”.

وأكدت العامري في ختام حديثها أن الرجل المغربي لم يعد متشددا في التعامل مع المرأة كما في السابق، بل أصبح أكثر مرونة وتفهّما واحتراما لحقوقها ومساندا لها في العديد من المجالات، ممّا أتاح لها المجال لاختيار الصورة التي تريد أن تكون عليها، فإن أرادت أن تكون محجبة أو سافرة فالخيار الأول والأخير يبقى لها.

قواعد اللباس

كسرت المرأة القواعد العامة للباس الأنثى في العديد من المجتمعات غير أن ذلك لم ينه النقاشات الشائكة بشأن الزيّ الذي يحقّ ولا يحقّ للنساء ارتداؤه. وشدد الباحث في التاريخ الإسلامي رشيد الخيُّون على أن آية “الحجاب” والآيات التي وردت في سورة “النور” وغيرها لم تلزم النساء بزيّ خاص سوى بالحشمة، أي من الرقبة فما دون لرفع الإيذاء عنهنَّ في زمن كان الخروج إلى قضاء الحاجة في العراء يعرضّهن إلى تحرّش الجاهلين، لكن تلك الآيات أُخذت لإلزام النساء بلباس خاص ومنه تغطية الرأس، على أن الشعر يعد عورة، مشيرا إلى أن هناك مَن أفتى بإظهار الوجه واليدين وهنالك مَن أفتى بتغطية الجسم كاملا، وهذا الفرق بين الحجاب والنقاب.

وبخصوص لباس المرأة العراقية أوضح الخيون في تصريح لـ”العرب” قائلا “قبل المدّ الإسلامي، الذي بدأ في أواسط السبعينات من القرن العشرين، فرض الحجاب بقوة السلطة، مثلما حدث بإيران، بعد أن كانت المرأة الإيرانية قبل 1979 تلبس ما تشاء، وقبل متطوعة الإسلاميين في الطرقات لتنفيذ قرار الحجاب أو النقاب بسلطة الدين وفرضه في الجامعات والطرقات مستفيدة من مجاملة السلطة لها”.

وأضاف “كانت المرأة في العراق على سبيل المثال تتقيد بالزي التقليدي، وهو لبس العباءة وما يُعرف بـ’الشيلة’ في الأرياف، وكذلك أزياء العمل، والمرأة في جنوب وشمال العراق غير ملزمة بالعباءة ولا بلون محدد، بل كانت ترتدي الألوان الزاهية التي تتناسب مع ألوان الطبيعة وعلى وجه الخصوص المرأة الكردية”.

واعتبر الخيون أن “الغطاء الأسود أو ‘البالطو’ لم تعرفه المرأة العراقية من قبل، إنما عُدّ زياً إسلاميا فرضته الأحزاب الإسلامية على منتسبيها من النساء وعلى المجتمع بتأثيرهم الديني، ثم جاءت الحملة الإيمانية الرسمية في تسعينات القرن العشرين فأخذت الدولة تشجع على حجاب طالبات الجامعة وعلى الزيّ الإسلامي. لكن هناك تأثير آخر فرضته الحالة الاقتصادية وهو أن الحجاب ولبس البالطو يُغني عن شراء الثياب وعن أدوات التجميل التي تستخدمها المرأة عادة، وشاع ذلك تحت وطأة الحصار الاقتصادي واستغل من قِبل الجامعات الدينية. لكن الأمر زاد بعد 2003، فتلك الأحزاب التي كانت تؤثر بالدعاية غدت تؤثر بالسلطة ومنها بقوة الميليشيات”.

إلا أن النساء المعاندات أخذن بالتكاثر وفق كلام الخيون، بعد أن ظهرت تلك الأحزاب خالية من برامج تنمية وخدمات، وظلت تهتم بالقشور كأزياء ملابس النساء لإظهارهن كفصائل عسكرية في لبس البالطو الإسلامي.

أسامة السيد محمود الأزهري: الإسلام فرض اللباس المحتشم على المرأة حفاظا عليها، لتظل كالجوهرة المصونة

وعزا بعض الباحثين الإسلاميين ربط زيّ المرأة بالإسلام إلى نوع من التشدد لا علاقة عميقة له بالدين الإسلامي، معتبرين أن تطرف بعض رجال الدين هو من ألصق اللباس بالدين وألزموا المرأة بتعاليمهم هم وليس بتعاليم الدين.

غير أن أسامة السيد محمود الأزهري، الأكاديمي الأزهري المعروف بوسطيته يرى “أن الإسلام كرّم المرأة في كافة النواحي، وصان حقوقها وحريتها على عكس النظرة السائدة التي يحاول البعض إلصاقها بالدين الحنيف، والتي تقول إن الإسلام سلب المرأة إرادتها وهضم حقها وكبت حريتها”.

وقال الأزهري لـ”العرب”، “هناك خلط شديد بين مراعاة الإسلام لحرية المرأة وبين الحفاظ عليها بفرض لباس ساتر لها عن أعين الغير، وهذا الخلط مصدره بعض رجال الدين أنفسهم إذ يتشدّدون في تفسيراتهم للنصوص والأحكام الشرعية ناظرين لها بعين الجمود”.

وأضاف “الإسلام فرض اللباس المحتشم للمرأة حفاظا عليها، لتظلّ كالجوهرة المصونة وليحميها من أطماع البشر من بعض ضعاف النفوس ويحميها من التحرش والاغتصاب والمتاجرة بجسدها وكافة أشكال الاستغلال الجنسي”.

وأوضح “من يروّجون للتبرج والعري على أنهما من حقوق المرأة غاب عنهم أن الحجاب لحمايتها وليس لكبت حريتها والانتقاص من كرامتها، فكون لباس المرأة ساترا لعورتها وغير شفاف لا يظهر مفاتنها هو حماية للمجتمع من الفساد والانحلال” مستشهدا بازدياد نسب التحرش والاغتصاب بسبب تحرر لباس المرأة.

وعلل الأزهري رأيه قائلا “من يقول إن الغرب ليس لديه مثل هذه النسب من التحرّش هو يدرك تماما كذب قوله، إذ تنتشر حالات الانفلات الجنسي والشذوذ بشكل لافت في تلك المجتمعات”.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

20