"هوية" مشروع فني مصري لتوثيق التراث الفلسطيني

التشكيلية المصرية سماء علام استعانت في رسم بعض لوحاتها بأشخاص حقيقيين لإبراز ثراء وتنوع الزيّ الفلسطيني.
الجمعة 2018/03/30
لوحات علام شاهدة على عمق التاريخ الفلسطيني

القاهرة - ليس خافيا على أحد أن الكيان الصهيوني يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى اختلاق جذور وتاريخ له على أرض فلسطين، وفي سبيل ذلك لا يتورّع عن سرقة تراث البلد والسطو عليه، وقد مثّل مشهد لمضيفات إحدى شركات الطيران الإسرائيلي وهنّ يرتدين الزيّ الفلسطيني التقليدي تجسيدا صارخا لهذه السرقة المتعمّدة من جانب هذا الكيان المحتل، وهو ما أثار غيرة الفنانة المصرية سماء علام ودفعها إلى التفكير في طريقة مناسبة لتسليط الضوء على هذا التراث الهام وتلك الجريمة المتعمّدة.

وعلى مدار أكثر من عام ونصف العام جمعت الفنانة كل ما استطاعت من مراجع وأسانيد وحكايات ووثائق مصوّرة عن التراث الفلسطيني، وترجمت كل ذلك في لوحات فنية ليكون نواة لمشروعها الذي أطلقت عليه عنوان “هوية”، الذي عرضت جانبا منه في كلية الفنون الجميلة في القاهرة، ولقي ترحيبا كبيرا من قبل المتابعين والمهتمين بتوثيق التراث الفلسطيني.

تتنوع أوجه التراث الفلسطيني من الأثري والتاريخي والمعماري إلى الثقافي، والشعبي بأطيافه وروافده المختلفة كالرقص والغناء والموسيقى والحكايات الشعبية والأزياء والعادات، وتتعدد أيضا المبادرات والمشاريع الهادفة لحفظ هذا التراث من المحو أو الاندثار، وهو ما فعلته الفنانة المصرية سماء علام في مشروعها الفني “هوية”.

وعن هذا الاهتمام بتوثيق التراث الفلسطيني في أعمالها، تقول الفنانة “هو اهتمام بالقضية الفلسطينية في المقام الأول، من منطلق قومي عربي، فهي قضية العرب المركزية، بالإضافة إلى أنه اهتمام من منطلق إنساني كذلك، فأي إنسان حرّ مهما كان جنسه أو انتماؤه سيؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إذا فهم أبعادها وتاريخها”.

وتضيف “أما في ما يخص التراث الفلسطيني تحديدا، فله من الأهمية ما يحتّم التركيز عليه، وأنا أرى أن صراع الثقافة جزء مهم جدا من الصراع بوجه عام، وهو جزء من الصراع على الأرض”.

وتعتبر التشكيلية المصرية أن الفن هو القوة الناعمة التي تتخلل وجدان البشر مهما كانت ثقافتهم، ويستطيع أن يتذوّقه أي إنسان ويفهمه أكثر من أي وسيلة أخرى، وتقول “قد أدرك عدونا هذه الحقيقة واستغلها ضدّنا، فحتى يلفت أنظار العالم إلى تلك الدولة، قرروا أن يؤثّروا في العالم بالفن، ولأنهم عبارة عن شعوب مشتّتة أتت من جميع أصقاع الأرض واستولوا على أرض العرب في فلسطين، فبالطبع ليس لهم تاريخ أو فن أو ثقافة تعبّر عنهم، ومن هنا سرقوا تراثنا العربي العريق الذي ينتمي إلى حقب تاريخية متنوعة وثرية ومُوغلة في القدم ونسبوه إلى أنفسهم، واستطاعوا من خلال ما يملكوه من ماكينة دعاية إعلامية قوية أن يؤثّروا في العالم أكثر منا”.

وتسترسل سماء علام “لقد سرقوا رقصة الدبكة وشاركوا بها في مهرجانات عالمية على أنها الرقص الشعبي الإسرائيلي! كما سرقوا الثوب الفلسطيني التقليدي ونسبوه إلى أنفسهم، وسرقوا المباني الأثرية، والكتب والمخطوطات، كما حاولوا سرقة الكوفية الفلسطينية، وحتى الأكلات الشعبية لم تسلم أيضاً من زيفهم، من هنا جاء اهتمامي بذلك الموضوع ووجب إلقاء الضوء عليه، فعلى الأقل نحن العرب وجب علينا التعرّف على تراثنا، خاصة إذا كان هذا التراث متعلّقا ببقعة عزيزة على قلوب كل العرب كفلسطين”.

من أهم ما يميز الزيّ الفلسطيني الثراء والتنوّع الملحوظ
من أهم ما يميز الزيّ الفلسطيني الثراء والتنوّع الملحوظ

وتقرّ سماء أن مشروعها لا يتناول الأزياء فقط، بل يتطرّق إلى التراث الفلسطيني بوجه عام، من أزياء وحليّ ورقص شعبي ومبان أثرية ومخطوطات، وللمشروع هدفان رئيسيان، أولهما التعريف بالتراث الفلسطيني بوجه عام، وثانيهما التنويه بقضية سرقة التراث الفلسطيني من قبل الكيان الصهيوني”.

وتقول علام عن الزيّ الفلسطيني “من أهم ما يميز الزيّ الفلسطيني الثراء والتنوّع الملحوظ، فكل قرية لها زيها الخاص بها، وهناك بعض القرى لها أكثر من زيّ، وتختلف الأزياء النسائية بالأخص وفقا للمنطقة الجغرافية سواء شمال أو جنوب فلسطين”.

ومعلوم أن الشمال الفلسطيني تأثّر بتراث سوريا والأردن بحكم القرب الجغرافي، إلى جانب أن فلسطين ما هي إلاّ جزء من أرض الشام، ولكن تم تقسيمها على يد الاستعمار الغربي، أما الجنوب فهو متأثّر بتراث مصر، فتأتي أزياء غزة قريبة من أزياء بدو سيناء، كذلك تختلف الأزياء وفقا للحالة الاجتماعية للمرأة، إذا كانت متزوجة أو غير متزوجة أو أرملة أو تتزوج للمرة الثانية، كما أن أزياء الشابات تختلف عن أزياء كبيرات السن، بالإضافة إلى اختلاف الأزياء وفق طبيعة مناخ كل منطقة.

وتقرّ التشكيلية المصرية بأنها استعانت في رسم بعض لوحاتها بأشخاص حقيقيين، “لكن هناك البعض الآخر استعنت في إنجازه فقط بالصور كمراجع، وذلك لصعوبة الحصول على بعض قطع الأزياء من مصدرها”.

وتؤكد سماء علام الدارسة في كلية الفنون الجميلة أنها تعوّدت في معارضها السابقة على استخدام جميع الخامات، إلاّ أنها قامت في “هوية” بتوحيد الخامة، وهي خامة الأكريليك، بالإضافة إلى استخدام فن الكولاج (القص واللصق) على بعض اللوحات، كما تعلمت أيضا فن التطريز، بصفته المكوّن الرئيسي للأزياء التراثية الفلسطينية وأدخلته في عدد كبير من لوحاتها برؤية فنية جديدة.

17