هويتنا وخيباتنا

السبت 2016/02/13

لم تكن الغربة يوما خيارا سهلا، لكن أقدامنا تخطو أحيانا خارج الحدود المرسومة لها بسبب رغبة مجنونة وملّحة وغير مفهومة للابتعاد عن مصدر حزن أو خوف حتى تعتاد على ذلك، فتحملنا مثل قاطرة مجنونة ومسرعة من بلد إلى آخر ومن سماء إلى أخرى، نقطع فيها بحارا ومحيطات ومسافات طويلة ونلتقي فيها بوجوه لا نعرفها ونتحدث بلغات لا نفهمها، نبكي ونضحك بملامح غيرنا ونرتدي كل صباح معطف الغياب، فتصبح العودة شبه مستحيلة، وبالرغم من ذلك، تبقى في داخلنا بذرة حب وعشق لا ينتهي تربطنا مثل خيط رفيع بالماضي والأرض ورائحة التراب ووجوه الأحبة والأصدقاء وشوارع الطفولة وعتبات بيوتنا القديمة، هذه هي الهوية التي تحملها ملامحنا وأسماؤنا وطريقتنا في العيش مهما تخطينا حدود وطننا وابتعدنا عن منابع البداية، هوية نحرص على التشبث بها مثل غريق يمسك بقشة صغيرة من وهم قد لا تحميه من قسوة الأمواج العاتية، لكنها تروّض زمن موته وتمنحه بضع قطرات من أمل كاذب.

قبل أيام، أخبرني أحد الأصدقاء بأن أحد مقالاتي المنشورة في موقع صحيفة عراقية معروفة كان ممهورا باسمي تحت عنوان “كاتبة من تونس”!

فوجئت بهذه الهوية الغريبة التي أسبغها عليّ أحدهم بخطأ بسيط حملني هما كبيرا.

نعم، أنا لست من تونس، تربطني صلات جميلة مع العديد من الصديقات التونسيات بحكم سنوات الغربة والعمل المشترك وأفخر كثيرا بهذه الصداقات وغيرها، لكنني لا أحب أن أكون غير هويتي العراقية؛ خلقت في العراق وسأموت عراقية، في أرض بعيدة هذا لا يهم، لكني سأموت وأنا أحمل هذا الحب وأغلق عليه باب الأسرار جيداً كما يفعل طفل صغير حين يخبئ عن عيون أصحابه أسرار حب من طرف واحد.

كيف لأحدنا أن يتخلى عن معنى وجوده وجذوره التي تربطه بأرضه وأحلامه وكيف له أن يتخلى عن ملامحه وكينونته، لا يمكن لهذا الخطأ إلا أن يكون كابوسا آخر أكثر إيلاما من الغربة ذاتها.

أعادت صحيفة “الزوراء” الصادرة عن نقابة الصحافيين العراقيين نسخ مقالي المنشور في نافذتي التي أحب هنا في “العرب” اللندنية قبل أسابيع وجعلتني تونسية، النقابة التي كنت أحدى منتسباتها منذ عشرين عاما، لم تتعرف على ملامحي ولم تدقق كثيرا في رسم اسمي ولقب عائلتي والوجع والفرح والحيرة والدهشة التي كانت وما زالت تستفزني كلما شرعت بالكتابة عن العراق.

هل اختلط الأمر عليهم، أم أن الغربة تلوّن ملامحنا بألوان رمادية وتسبغ علينا مسميات نكاد لا نراها في مرآة أرواحنا حتى يتلقفها آخرون ليحملوا فرشاتهم وألوانهم لرسم ما شاءوا على طريقتهم الخاصة فتغدو الألوان لعبتهم، ألوان قاتمة مظلمة تسيل على جدران قلوبنا فتسطو على بياضها. لا يمكن أن يكون الإنسان مجموعة من الوثائق والهويات الغبية، الإنسان هو باقة من أحزان وانتماءات ومواقف وخيبات كثيرة لا يمكن أن تخطئها التصنيفات الظالمة، فإذا سقطت هذه الوثائق والهويات سهوا من حسابات الآخرين، فكيف يا ترى يمكنها أن تسقط أوجاعنا وخيباتنا من قاطرة زمن طويل يفصل بين الماضي والحاضر، الوطن واللاوطن، الدفء والصقيع، الفرح الحقيقي والابتسامات الباهتة، الحب واللاحب. من سيكسب الرهان هويتنا أم خيباتنا؟

توقفت كثيرا وأنا أكتب هذه الكلمات، تراجعت، كتبت مرة أخرى ومحوت ما كتبت، فخرجت هذه القطعة الباهتة من الورق، صرت أراها بيضاء مرة أخرى. ربما سأترك الكتابة قليلاً، حتى أسترد ملامحي ليتعرف إلي الآخرون.

21