هيئات ووزارات تونسية تفتح مجددا ملف تمويل الأحزاب

ملف مراقبة تمويل الأحزاب يثير جدلا واسعا في تونس بين التراشق بالاتهامات واللجوء إلى القضاء في واقع سياسي تغذيه الصراعات والمصالح الشخصية بين مختلف الأطراف.
الخميس 2020/07/30
التعددية بمثابة الشجرة التي تُخفي غابة التمويلات

تونس- يكتنف الغموض ملف مراقبة مصادر تمويل الأحزاب في تونس، وهو ما يثير لغطا سياسيا كبيرا من ناحية تحديد الإطار القانوني لنشاط الأحزاب ونقص الشفافية في الكشف عن الدعم والتمويلات.

ودفع الملف “الشائك” لتمويل الأحزاب السياسية ونشاطها هيئات ووزرات تونسية إلى البحث في قانونية وجودها وأطر اشتغالها وفقا للمعايير المتعارف عليها، فضلا عن التهديد بإيقاف نشاط وحلّ الأحزاب.

وأعلنت وزارة حقوق الإنسان والعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني، أن مصالحها قد قامت بإصدار بلاغات تدعو الأحزاب السياسية إلى ضرورة تسوية وضعيتها والإيفاء بالالتزامات المحمولة عليها قانونا، وذلك في إطار تنفيذ مقتضيات المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية وخاصة منه الفصلين 26 و27، المتمثلة في رفع تقارير مراقبة حساباتها المالية ومصادر تمويلها ونفقاتها إلى رئاسة الحكومة.

رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب أكّد سابقا أن تمويل بعض الأحزاب غير قانوني، وأن العديد منها لا تتوخى الشفافية في التصريح بتمويلاتها

كما أكدت الوزارة في بلاغ لها الثلاثاء أنها قامت بتوجيه تنابيه إلى 190 حزبا تدعوها إلى رفع المخالفات المذكورة آنفا، كما تمّ بالتنسيق مع مصالح المكلف العام بنزاعات الدولة، استصدار أذون قضائية لتعليق نشاط 29 حزبا تمادت في المخالفة منها 12 حزبا تمّ رفع قضايا حل ضّدها.

وينظم المرسوم التشريعي عدد 87 المؤرخ في 24 سبتمبر 2011 المتعلق بالأحزاب السياسية، آليات تقديم التبرعات والهبات من الأفراد لصالح الأحزاب.

وينص على أنه على “كل حزب أن ينشر تقاريره المالية في صحيفة تونسية أو على موقعه الخاص على الإنترنت، ويقدّمها بعد ذلك إلى ديوان المحاسبة مع حظر أي شكل من أشكال التمويل الأجنبي”.

وأكد نائب رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات فاروق بوعسكر أن “المرسوم يتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية ويتضمن أحكاما تتعلق بالإخلالات والتجاوزات، ومراقبة تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب، يتولاه أكثر من جهة (الهيئة المستقلة للانتخابات ومحكمة المحاسبات)، وكل مخالف لهذا الإجراء معرض للعقوبات”.

ولم ينف بوعسكر في تصريح لـ”العرب” وجود ’’تجاوزات في مستوى الدعاية والتمويل والاشتراكات‘‘، مؤكدا “أن محكمة المحاسبات ستنشر تقريرها في هذا الخصوص مستعرضة قائمة الأحزاب بالأرقام والأسماء”.

فاروق بوعسكر: محكمة المحاسبات ستنشر تقريرها وستذكر الأحزاب بالأرقام والأسماء
فاروق بوعسكر: محكمة المحاسبات ستنشر تقريرها وستذكر الأحزاب بالأرقام والأسماء

وأثار ملف مراقبة التمويل جدلا واسعا بين التراشق بالاتهامات واللجوء إلى القضاء في واقع سياسي تغذيه الصراعات والمصالح الشخصية بين مختلف الأطراف.

وسبق أن شككت رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في قانونية حركة النهضة الإسلامية، وقالت إنها تأسست بطريقة “التحايل” و”غير مكتملة الوثائق”. وأعلنت عزمها رفع الأمر إلى القضاء، وطالبت رئيس الحكومة بتصنيف “جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا”.

واعتبرت موسي أن “حزب حركة النهضة مكون بخلاف الصيغ القانونية، ووثائق الحزب غير مكتملة إجرائيا وقانونيا” مشيرة إلى “وثائق” تحصلت عليها من وزارة حقوق الإنسان، تفيد بأن “إمضاء راشد الغنوشي كرئيس للبرلمان مخالف للموجود بوثيقة تكوين الحزب”.

وقالت إن التصريح بالتكوين “مدلس”، محتجة بأن “إمضاء راشد الغنوشي (زعيم النهضة) كان بتاريخ 28 يناير 2011، في حين أنه عاد إلى تونس يوم 30 من الشهر ذاته من منفاه”.

ويرى مراقبون أن آليات الرقابة على الأحزاب السياسية تبقى محدودة ولا تستطيع رصد كل الإخلالات والتجاوزات داخليا وخارجيا حيث تُتهم العديد من الأحزاب على غرار النهضة بتلقي ’’أموال مشبوهة‘‘ من حلفائها في الخارج كقطر وتركيا.

واعتبر المحلل السياسي باسل الترجمان “أن القرار جاء متأخرا جدا بالنظر إلى المال السياسي الفاسد الذي تدفق في الحملات الانتخابية لسنوات 2011 و2014 وبدرجة أقل 2019، وحجم التجاوزات المسجل من شراء ذمم الناخبين والدعاية الحزبية”.

وقال باسل الترجمان في تصريح لـ”العرب”، “إن تطبيق القانون في مستوى المراقبة ضعيف، باعتبار وجود 226 حزبا سياسيا لا يعرف التونسيون أكثر من 10 أسماء منها” متسائلا “هل هناك من هو فوق القانون؟”.

ودعا المحلل السياسي إلى ضرورة إعادة هيكلة الأحزاب طبقا لأسس قانونية، مطالبا بتطبيق القانون على كل طرف يقوم بالتجاوزات والإخلالات، فضلا عن ’’إلزامية تأسيس قضاء مستقل حتى لا نسقط في دائرة التخوين والتجاذبات التي لا تخدم التجربة الديمقراطية‘‘.

وحوّل التراخي في محاسبة ظاهرة الانفلات في ما يتعلق بتمويل الأحزاب المشهد السياسي إلى ما يشبه ساحة خالية من الرقابة في وقت تتعالى فيه الأصوات داخل البرلمان التونسي الداعية إلى صد تغلغل النفوذ الأجنبي الذي امتد إليه عن طريق حركة النهضة الإسلامية والتي تُتهم بتلقي تمويلات من المحور التركي القطري كشفت عنها زيارات متتالية لقياداتها لهذه الدول ولقاء زعمائها.

أعلنت وزارة حقوق الإنسان والعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني، أن مصالحها قد قامت بإصدار بلاغات تدعو الأحزاب السياسية إلى ضرورة تسوية وضعيتها والإيفاء بالالتزامات المحمولة عليها قانونا

وتصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الانتقادات لحركة النهضة. وأطلق العريضة العديد من النشطاء السياسيين والشخصيات الأكاديمية التونسية وذلك من أجل التثبت من مصادر تمويل راشد الغنوشي ومصادر ثراء حزبه السياسي.

وكان رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب أكّد سابقا أن تمويل بعض الأحزاب غير قانوني، وأن العديد منها لا تتوخى الشفافية في التصريح بتمويلاتها، خاصة خلال الفترة الانتخابية. كما نبه إلى وجود تمويل خارجي. وقال ’’تشهد بلادنا حربا إقليمية بالوكالة، على الساحة السياسية‘‘.

ويُلزم مشروع القانون الأحزاب بنشر معاملاتها المالية على قاعدة بيانات رقمية لهيئة المحاسبات “في آجال لا تتجاوز تاريخ 30 يونيو من كل سنة”، كما يقر عقوبات تصل إلى حد حلّ
الحزب.

4