هيئة الإعلام رقيب دائم في خدمة الحكومات العراقية

الهيئة تخرق الدستور العراقي بإغلاق عشرات وسائل الإعلام خلال الاحتجاجات.
الخميس 2020/07/30
القرارات التعسفية تسكت الإعلام العراقي

الكثير من الانتقادات والاتهامات وجهت إلى هيئة الإعلام والاتصالات العراقية بسبب قراراتها العقابية في حق وسائل الإعلام المختلفة المحلية والأجنبية بمخالفة واضحة مع الدستور العراقي، ويرصد تقرير حديث مجمل هذه الانتهاكات مشيرا إلى أن أخطرها تم خلال الاحتجاجات التي انطلقت في أكتوبر الماضي.

بغداد – رصدت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق مخالفات وانتهاكات قامت بها هيئة الإعلام والاتصالات العراقية طيلة عشرة أعوام، مشيرة إلى أنّ عدم الحيادية في عمل الهيئة ظهر مع إغلاق الحكومات المتعاقبة فضائيات ووسائل إعلام كانت تعدّ معارضة للأشخاص الذين تولوا رئاسة الحكومات.

وتأسست هيئة الإعلام والاتصالات؛ بهدف تنظيم الفضاء الإعلامي في العراق، بقرار أصدره الحاكم المدني للسلطة المدنية في العراق عام 2004 بول بريمر، على أن يكون هذا القرار مؤقتا إلى حين تشريع قانون يوضح خطوط عمل الهيئة وهيكليتها، بما ينسجم مع الدستور الذي يكفل لحرية العمل الإعلامي والصحافي بكل أشكاله.

لكن الهيئة تعدت الأمر الخاص بإنشائها بشكل مؤقت؛ فقد تلكأ المشرع العراقي كثيرا في تشريع قانون للهيئة التي دخلت نفق المحاصصة السياسية، والمصالح الحزبية، واللجان الاقتصادية، وعقود تراخيص الهاتف النقال التي كانت من المفترض أن تكون من مهمة وزارة الاتصالات وليس هيئة الإعلام والاتصالات.

وترافق عمل الهيئة مع الكثير من الجدل السياسي والإعلامي واتهامات بخضوعها للأحزاب السياسية، بسبب العقوبات التي اتخذتها في حق وسائل الإعلام المحلية والدولية، وانتقدها الوسط الإعلامي العراقي باعتبارها مخالفة للدستور.

وقالت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة إنها وجدت ضرورة ملحة لإصدار التقرير نظرا إلى الدور الكبير والمهم الذي تمارسه هيئة الإعلام والاتصالات العراقية والذي يؤثر بشكل مباشر على وسائل الإعلام كافة في العراق، وكذلك على حرية الصحافة وحرية التعبير عن الرأي، ويفترض أن تكون الهيئة مستقلة فعليا وبعيدة عن التجاذبات السياسية التي تؤثر على طبيعة أدائها.

وقال التقرير أن خروقات الهيئة تمثلت عبر إصدار مجموعة من أوامر إغلاق القنوات وتعليق رخص، وغيرها من القرارات غير المنصفة التي حملت أجندة سياسية واضحة.

الهيئة تعدت الأمر الخاص بإنشائها مؤقتا ودخلت نفق المحاصصة السياسية؛ بعد تلكّؤ المشرع العراقي في تشريع قانون لها

وسجلت الجمعية ومن خلال فريق الرصد 128 حالة إغلاق، وتعليق رخصة، وفرض غرامات، وإنهاء تكليف وتجميد للعاملين، تسببت فيها هيئة الإعلام والاتصالات خلال العشرة أعوام الماضية.

لكن الحدث الأهم الذي لفت انتباه الجمعية ودفعها إلى إعداد هذا التقرير، هو مجموع القرارات التي اتخذتها في الفترة التي رافقت تظاهرات أكتوبر 2019 حيث قامت بإصدار أوامر بإغلاق 19 وسيلة إعلام محلية وعربية أغلبها من القنوات التي شاركت في تغطية التظاهرات، في انحراف واضح عن المسار الديمقراطي ومخالفة صارخة للدستور العراقي الذي كفل حرية التعبير عن الرأي.

واعتبرت الجمعية أن دور الهيئة غير المهني اتضح خلال الاحتجاجات، حيث مارست دورا سلبيا تمثل في قمع حرية الرأي والتعبير، وكانت أداة طيعة بيد حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي، في مخالفة صريحة للغرض الذي أنشئت من أجله.

وأدان صحافيون وسياسيون عراقيون إصدار هذا القرار في أكتوبر الماضي، وأكدت كتلة التغيير النيابية أنه “أمر مخالف للدستور”.

وقال رئيس الكتلة هوشيار عبد الله في مؤتمر صحافي “ندين ونستنكر بشدة قرار هيئة الإعلام والاتصالات غلق ثماني قنوات فضائية وأربع محطات إذاعية وتوجيه إنذار إلى خمس فضائيات أخرى وتجديد العقوبة لإحدى القنوات، ومفاتحة الدول التي تبث منها وإجراء جرد بأسمائها وتسليم القائمة لمجلس الوزراء بغرض متابعتها ورصدها من قبل الأجهزة الأمنية”.

وأضاف أن “هذا الإجراء يخالف بنود الدستور العراقي والتي تخص حرية التعبير، ويتعارض مع أبسط معايير الديمقراطية، كما يسيء إلى العراق في المحافل الدولية ويعطي لدول العالم صورة في غاية السوء عن بلد يفترض أنه خرج من ظلمات الدكتاتورية ليخوض تجربة الديمقراطية”، متسائلا “هل من المعقول أن تقوم الحكومة بمعاقبة وإنذار كل هذا العدد من وسائل الإعلام؟”.

الهيئة شكلت طوقا لحرية العمل الإعلامي والصحافي في العراق، وشكلت إحدى أدوات الخرق الدستوري بدلا من أن تكون أداة لحماية الدستور والحريات الصحافية

ويهدف التقرير إلى لفت أنظار المؤسسات الإعلامية والصحافيين والناشطين إلى أهمية مراقبة عمل هيئة الإعلام والاتصالات والسعي إلى الضغط عليها بغية تصحيح مسار عملها، ولتكون مؤسسة مستقلة وحيادية في تعاطيها مع وسائل الإعلام المختلفة، وهو بداية لجهد سيتواصل في المستقبل القريب الغاية منه تصحيح هذا الانحراف الحاصل في واحدة من أهم المؤسسات التي تؤثر في مسار حرية الصحافة والإعلان والإعلام والنشر في العراق.

ولخص التقرير جملة الانتهاكات التي ارتكبتها الهيئة، ففي الأعوام (2017 – 2018 – 2020) بلغ مجموع الحالات 31 حالة انتهاك متنوعة منها إغلاق 24 قناة محلية وعربية، فيما سجلت في عام 2016، سبع حالات انتهاك منها أوامر إغلاق قنوات، وإيقاف برامج عن البث، وشهد عام 2015 إغلاق قناة واحدة، ولم تسجل أي حالة انتهاك في عام 2014؛ ويعود ذلك إلى الظرف الذي كان يمر به العراق جراء احتلال داعش جزءا من أراضيه.

 وفي عام 2012 قامت الهيئة بإغلاق 45 قناة، أما عام 2011 فقد تم فرض مبالغ كبيرة على وسائل الإعلام كبدل لاستخدام الطيف، فيما أغلقت الهيئة جميع مكاتب قناة البغدادية في عام 2010.

ولاحظ التقرير أن معظم قرارات الهيئة كانت مبنية على مصالح وأجندة سياسية، كما أن المزاجية تتجلى في معظم القرارات الصادرة ضد وسائل الإعلام التي تعدها الحكومات معارضة لمنهجها.

وخلص إلى أن الهيئة شكلت طوقا لحرية العمل الإعلامي والصحافي في العراق، وشكلت إحدى أدوات الخرق الدستوري بدلا من أن تكون أداة لحماية الدستور والحريات الصحافية من خلال تنظيمها لا تقييدها وإغلاقها على وفق أجندات سياسية.

18