هيئة تحرير الشام في معركة حياة أو موت في سوريا

هيئة تحرير الشام برهنت للأتراك أنها الخيار الأفضل المتاح عبر رسائل احتواء تنظيم حراس الدين والتحكم في قراراته المصيرية واشتراط تجريده من أي مظهر من مظاهر السلطة.
الاثنين 2020/04/27
هل يتمرد المرتزقة على أردوغان

فرض اتفاق الهدنة الروسي التركي لوقف القتال في إدلب السورية، على هيئة تحرير الشام نسقا جديدا من المتغيّرات أجبرها على دعم اعتصام 13 أبريل الذي عطّل الدوريات المشتركة الروسية التركية. وتأتي هذه الخطوة بإسناد من زعيم الهيئة أبومحمد الجولاني كورقة ضغط في وجه أنقرة وللالتفاف على الخطط المتعلقة بتفكيك الميليشيات. ليجد الجولاني نفسه اليوم أمام خيارين فإمّا الاندماج في جماعة حراس الدين وإمّا الإعلان عن الولاء التام لتركيا.

القاهرة- أظهرت معلومات نشرتها حسابات ناشطين وقياديين سابقين بهيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) بشأن ملابسات اعتصام شهر أبريل، امتلاكها أساليب مختلفة للالتفاف على خطط تركيا الظاهرة المتعلّقة بتفكيك الميليشيات.

ونشر أحد قيادات الهيئة المنشقين على حسابه على تليغرام مؤخرا تأكيدًا بأن الاعتصام الذي تم تنظيمه في 13 أبريل احتجاجا على اتفاق الهدنة الروسي – التركي لوقف القتال وتسيير دوريات مشتركة، لم يخطط له ناشطون ثوريون، كما أشيع وإنما جاء مدعومًا بالكامل من زعيم الهيئة أبومحمد الجولاني كورقة ضغط في وجه أنقرة.

تبيّن من تسريبات الناشطين أن الاعتصام، المعروف باعتصام الكرامة على الطريق الدولي بين اللاذقية وحلب رفضًا لتسيير الدوريات المشتركة باعتبارها دوريات احتلال وفضها الجيش التركي، كان واحدًا من حيل الجولاني للتعامل مع الواقع بعد الهدنة المبرمة بين موسكو وأنقرة في مارس الماضي.

تحريض ضد تركيا

تركيا تخطط لتفكيك الميليشيات
تركيا تخطط لتفكيك الميليشيات

كشفت المعلومات والتعليقات العديدة عن دور رئيسي للهيئة في الاعتصام عبر تحريض عناصر بها ضد الجنود الأتراك وتوعدهم بالقتل وتكفير أحد مشرعي الهيئة للجيش التركي، وهو ما اعتذرت عنه الهيئة لاحقًا في بيان منشور بصحيفة إباء التابعة لها باللغة التركية، علاوة على نشر مقاطع صوتية لقيادات تدعو للاعتصام وتهديد من لا يستجيب للدعوة بالفصل.

ولجأت الهيئة، كي لا تظهر كمسؤولة بشكل علني عن الاعتصام والصدام مباشرة مع تركيا، إلى إصدار أوامر لأعداد كبيرة من منتسبيها بخلع زيهم العسكري وارتداء الزي المدني والانخراط في الاعتصام الذي حرصت على ظهوره في إطار الرفض الشعبي والثوري للتفاهمات.

وحرص قائد هيئة تحرير الشام، على الحد من قدرات تركيا الساعية لإعادة ترتيب المشهد في إدلب، بما قد يصل إلى نزع السلطة من حكومة الإنقاذ، الذراع السياسية للهيئة، وتفكيك الميليشيات ووضعها تحت إشراف مباشر من عسكريين أتراك.

تعكس التحركات الميدانية حرص الهيئة على استمرار الدعم والرعاية التركية عبر الظهور أمام المسؤولين في أنقرة أنها تسيطر على الأوضاع، بل هي الضامن الوحيد لاحتواء العناصر المتشددة ومنع الخلايا المنفلتة من ارتكاب حماقات، علاوة على الترويج لقدرتها على ضبط الشارع لتمرير الأجندة التركية في سوريا.

ويهدف تنظيم الاعتصامات الرافضة من وراء ستار وفتح نافذة للأصوات المتشددة التي تكفر الجيش التركي إلى حض أنقرة على التمسك بهيئة تحرير الشام التي تسعى لإثبات جدارتها كقوة قادرة على لعب دور في مستقبل سوريا من بوابة احتواء التمرد بعد الفشل عسكريًا في صد هجمات الجيش السوري وحلفائه، وبعد الفشل الإداري لحكومة الإنقاذ التابعة للهيئة.

الاعتصام، المعروف باعتصام الكرامة كان واحدًا من حيل الجولاني للتعامل مع الواقع بعد الهدنة المبرمة بين موسكو وأنقرة في مارس الماضي

وتكمن أهمية الرسائل في اتساقها مع ما ألمح إليه الجولاني ضمن مقابلة سابقة أجراها مع مركز الأزمات الدولي عندما تحدث عن احتوائه لفصيل “حراس الدين” وتحكمه بمناطق عمله وإدارة شؤون مقاتليه، عقب توجيه أصابع الاتهام لعناصر تنتمي إلى حراس الدين عندما وقع الهجوم الذي تعرض له رتل تركي في 19 مارس الماضي على طريق حلب اللاذقية الدولي.

برهنت هيئة تحرير الشام للأتراك أنها الخيار الأفضل المتاح عبر رسائل احتواء تنظيم حراس الدين والتحكم في قراراته المصيرية واشتراط تجريده من أي مظهر من مظاهر السلطة.

وأثبتت الهيئة قدرتها على التحكم في خيارات هذا الفصيل، بحيث لا يستطيع استهداف أي طرف في المعادلة دون ضوء أخضر من قيادات الهيئة، الأمر الذي جلب انتقادات واسعة لزعيم الحراس (أبوهمام الشامي) من قبل مؤيديه وقيادات تنظيم القاعدة، وأوعز للأتراك بأن الفصيل الذي سعى كي يصبح رقمًا في المعادلة الأمنية داخل محافظة إدلب صار رهن توجيه وإرادة قيادة هيئة تحرير الشام.

أسهمت التفاهمات التركية الروسية في التغيير الذي طرأ على أسلوب تعامل قيادة الهيئة مع حراس الدين، وبعد أن أبدى الجولاني رغبته في توجيه ضربة شاملة ضد التنظيم المتمرّد مع الهواجس التي يثيرها للقوى المعنية بالحرب ضد الإرهاب، لجأت قيادة تحرير الشام إلى احتوائه مع ظهور تحديات من نوع مختلف لمجمل التنظيمات المسلحة، بما فيها قيادة الهيئة المتوجسة من الحليف التركي.

خيارات محدودة

الجولاني أوهم أتباعه بأن الحكم سيظل للهيئة
الجولاني أوهم أتباعه بأن الحكم سيظل للهيئة

لا تمتلك الهيئة خيارات كثيرة للتعامل مع المعطيات الجديدة، وهو ما يعود في قسم منه إلى نجاح الجيش السوري في استرداد العشرات من القرى في الشمال على وقع الانهيار السريع للميليشيات، ما دفع أنقرة إلى إعادة حساباتها في ما يخصّ تمويل ودعم فصائل ثبتت عدم فاعليتها الميدانية.

ولم تعد التنظيمات الجهادية المنافسة التهديد الأول الذي يواجه هيئة تحرير الشام التي سعت باستمرار إلى الاحتفاظ بصدارة الحركات الإرهابية في إدلب، بعد أن تغيّرت الأوضاع وصار في المنطقة قرابة ثلاثين ألف مقاتل من الجيش التركي، ما يعني أن سيناريوهات المستقبل لا تستثني سحب الامتيازات من الهيئة وإبدال قواتها بالشرطة التركية وعزلها عن الحكم نهائيًا.

ولجأت الهيئة إلى منطقة وسط بين تركيا والفصائل الجهادية المنافسة، وفي مقدمتها حراس الدين، مع اتساع نطاق التحديات التنظيمية والسياسية التي تواجهها، لتقليص احتمالات تخلّي تركيا عنها، وفي نفس الوقت تأمين بدائل تمكّنها من التعامل مع هذا السيناريو إذا تحقق ومن ضمنها الاندماج في تنظيم القاعدة الأم والعودة إلى أيديولوجيا السلفية الجهادية.

بعد الاتفاق المبرم بين أنقرة وموسكو وتسيير الدوريات المشتركة لم تعُد هيئة تحرير الشام الطرف الأكثر نفوذًا في آخر منطقة سورية تقع خارج سيطرة النظام وخارج السيطرة المباشرة للقوى الدولية الإقليمية، ما دفع الهيئة لمراجعة تحالفاتها وتوجيه معاركها ومناوراتها، الأمر الذي منح تنظيم حراس الدين فرصة قد لا تعوّض ليلعب دورا في الخطط الموضوعة لسوريا، بعد أن كان مصيره على المحك طوال الفترة الماضية.

التفاهمات التركية الروسية أسهمت في التغيير الذي طرأ على استراتجيات قيادة الهيئة في التعامل مع حراس الدين

وتجمع هيئة تحرير الشام بين النقيضين؛ وكي تثير قلق تركيا من سيناريو التخلّي عنها سعت إلى احتواء حراس الدين المتهم بتنفيذ هجمات ضد قوات تركية وأعلن أنه سيواصل القتال في شمال سوريا، بمعزل عن الاتفاق الروسي التركي، في الوقت الذي تخطب فيه ودّ أنقرة التي تشعر بأن أموالها أنفقت بلا طائل عقب هزائم الفصائل الموالية لها منذ نهاية العام الماضي، ما فرض عليها التدخل العسكري.

يضمن هذا التكتيك الإبقاء على الحد المأمول من تماسك الهيئة مرحليّا، بالنظر إلى أنّ قطاعا عريضا داخل الهيئة رفض الاستجابة سابقًا لدعوات شنّ هجوم شامل ضد حراس الدين من منطلق دوافع عقدية، علاوة على أن وجهة قادة الهيئة المنشقين المفضلة هي حراس الدين التي تكتسب زخما مجتمعيّا وحركيّا متصاعدا، على وقع إخفاقات تحرير الشام على المستوى الميداني والعسكري، وعلى مستوى إدارة شؤون المناطق التي تسيطر عليها.

احتاجت قيادات هيئة تحرير الشام خداع قواعدها لتمرر تعاونها مع تركيا التي تخترق بالشراكة مع روسيا المنطقة التي تسيطر عليها الهيئة، وفي حين كفّر كبير فقهاء الهيئة أبوالفتح الفرغلي، الجيش التركي مغازلًا المتشددين داخل الهيئة، أوهم الجولاني أتباعه بأن الحكم سيظل للهيئة وأن قرار الحرب والسلم بيدها.

يعكف أبومحمد الجولاني في هذه  الأثناء على إعادة هيكلة تنظيمه وترتيب بيته الداخلي، تمهيدا لانعطافة براغماتية كبرى ربما تضعه في قلب خيار من اثنين دون حدوث انشقاقات ضخمة في مرحلة لن تعرف الحلول الوسط مع الدخول العسكري المباشر لتركيا، فإمّا أن يندمج مع حراس الدين ويصير قاعديا خالصا، وإمّا أن يعلن ولاءه الكامل لأنقرة، بجانب فصيل الجيش الوطني السوري، ليضمن البقاء في المشهد دون تفكيك واندثار.

7