هيئة حقوقية تحارب العبودية في موريتانيا من خلال المدارس

مع بداية الموسم الدراسي هذا العام أطلقت هيئة الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان ودعم التعليم والسلم الاجتماعي برنامجًا لضمان تعليم ألف طفل من أبناء الأرقاء والأرقاء السابقين، والحيلولة دون تعرّضهم للتسرب المدرسي، وذلك ضمن استراتيجية بعيدة المدى تتضمن بناء ثلاث مدارس نموذجية في الشمال والجنوب والشرق، كتمييز إيجابي لصالح أبناء “الحراطين” (الأرقاء السابقون) الشريحة التي عانت من الرق والاستغلال لقرون في موريتانيا.
الثلاثاء 2018/01/02
العبودية للأسف لا تزال موجودة في موريتانيا

نواكشوط - بينما كان يقوم بأعمال منزلية في بيت أسياده، نودي على “العبد” الصغير إبراهيم، لينضم إلى اجتماع أعيان القبيلة في قرية “دار السلام” (ضواحي بوتلميت 150 كم شرق العاصمة نواكشوط)، وأبلغه أحد الأسياد الذين يملكون أسرته كعبيد، بأنه تم اختياره ليدرس في المدرسة.

وعلى الرغم من أن “العبيد” ليس من حقهم الالتحاق بالمدارس لا يوجد من أبناء “الأسياد” في القرية إلا 12 طفلًا، وبالتالي اختير إبراهيم وطفلان آخران من أبناء “العبيد” لإكمال العدد حتى يتسنى افتتاح المدرسة، فقد قررت الحكومة أنه لن يتم افتتاحها دون تسجيل 15 طفلًا.

حدث هذا منذ 47 عامًا، اليوم صار إبراهيم بلال أحد أبرز الحقوقيين الموريتانيين، ورئيسًا لـ”هيئة الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان ودعم التعليم والسلم الاجتماعي”، التي تخوض اليوم أكبر معركة ضد “العبودية” من داخل فصول الدراسة في موريتانيا.

وبحسب أرقام الهيئة فقد تم ضمان دخول 600 من أبناء الأرقاء إلى فصول الدراسة مع بداية العام، في مدارس مستقلة، وتدفع الهيئة نفقات تعليمهم، فيما ستتم مساعدة 400 طالب من أبناء الأرقاء في دروس تقوية مُعوّضة، حيث يدرسون في مدارس وثانويات عمومية ضعيفة الخدمات ما يجعلهم بحاجة إلى دروس خصوصية.

وبحسب آخر الإحصائيات، التي نشرها موقع المكتب الوطني للإحصاء في موريتانيا للموسم الدراسي الماضي 2015-2016، فإن عدد التلاميذ في موريتانيا بلغ 601.364 تلميذًا، فيما بلغ عدد الطلاب في التعليم الثانوي 199.920 طالبا.

وأظهر تقرير حكومي موريتاني، اعتمد كأساس للخطة الوطنية للقضاء على تشغيل الأطفال 2015 – 2020، أن نحو 300 ألف طفل أقل من 15 عاما عرضة لحالات من العنف والاستغلال، فيما تم إحصاء أكثر من 18 ألف طفل من 5 إلى 14 عاما ضحايا العمل المبكر، وألف طفل يعيشون في الشوارع، فيما أشار حقوقيون إلى أن أغلب هؤلاء الأطفال من أبناء الأرقاء والأرقاء السابقين.

هذا العام انضم الطفل محمد السالك ز 13 عاما إلى المرحلة الإعدادية، حيث التحق بمجمع مدارس “المعارف” (مؤسسة تعليمية مستقلة) كطالب في السنة الأولى من المرحلة الإعدادية. ومحمد هو أحد أبناء الأرقاء في موريتانيا، وأخذ مكانه بين الطلاب كنموذج للمشروع الجديد الذي أطلقته “هيئة الساحل”، وعبر الطفل عن سعادته البالغة، حيث أنقذته الدراسة -حسب تعبيره- من العمل على عربة يجرها حمار (كارو) كجامع قمامة من المنازل.

ومجمع مدارس “المعارف” من بين المؤسسات التعليمية التي انخرطت في المشروع، وقدمت مساعدات لاحتضان عدد من الأطفال بالتنسيق مع “هيئة الساحل”.

أكثر من 18 ألف طفل من 5 إلى 14 عاما ضحايا العمل المبكر، وألف طفل يعيشون في الشوارع وأغلبهم من أبناء الأرقاء

وقال مدير المجمع يحي ولد بوبه “فكرة تسهيل دراسة أبناء الأرقاء والطبقات المهمشة عمومًا فكرة رائدة”. وأضاف “كمربين نعتقد أن تسليح الإنسان بالمعرفة أمر بالغ الأهمية، حيث لا يمكن أبدا استغلال شخص متعلم، والتخلص من كل الظواهر الاجتماعية السلبية يكمن في تعليم الناس، بهدف تحصينهم”.

وإذا كانت الصدفة قادت المناضل الحقوقي إبراهيم ولد بلال للالتحاق بالدراسة في سبعينات القرن الماضي، فإنه اليوم يتمنى أن يكون “حصول أبناء الأرقاء على حقهم في التعليم بناء على خطة محكمة واستراتيجية بعيدة المدى وليست مجرد ضربة حظ”.

وقال ولد بلال “كأحد أبناء العبيد في موريتانيا قادتني الصدفة لأتعلم، كانوا فقط يريدون إكمال الرقم 15 فاحتاجوا ثلاثة كنت أحدهم، اليوم أعرف جيدا أن دخولي للمدرسة الابتدائية كان نقطة تحول في حياتي، كنت حينها أعاني مما يعاني منه طفل مستعبد، يسكن مع والدته المطلقة في بيت أسيادها، كنا نعيش على بقايا الطعام، ونعيش تحت نظام الاسترقاق، ولا نمتلك حتى تصورا حول المستقبل”. وأضاف “اليوم أريد أن تكون المدرسة نقطة تحوّل في حياة أبناء الأرقاء والأرقاء السابقين”.

وفي 7 مارس 2017، أعطت الحكومة الموريتانية ترخيصا لـ”هيئة الساحل” برئاسة ولد بلال، وعضوية عدد من الحقوقيين. وأعرب ولد بلال عن اعتقاده بأن “الفقر يضرب الأرياف التي يقطنها العبيد، والعبيد السابقون الذين يعيشون ظروفًا صعبة في المدن والأرياف، ما يجعلهم يشغلون أبناءهم في رعي الأغنام والأعمال المنزلية، وبالتالي فإن الأهالي يرفضون إرسال أبنائهم إلى المدارس”.

وتطرق إلى تجربته كعبد سابق قائلًا “التعليم يؤهل الإنسان للبقاء في محيطه، والإنسان المتعلم هو الوحيد القادر على خلق التوازن الصعب بين مناهضة ظلم الاسترقاق من جهة ونبذ الكراهية من جهة أخرى”.

ملف “العبودية” في موريتانيا يثير الكثير من الجدل، حيث تدين حركات حقوقية البلاد باعتبارها “أكبر قلاع العبودية في العالم”، بينما ينكر آخرون وجودها وبينهم الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز.

من جانبه، قال حننا ولد أمبيريك، الناشط الحقوقي والقيادي في حركة “إيرا” (غير مرخصة)، إن “العبودية للأسف لا تزال موجودة في موريتانيا، حيث تبلغ نسبة الأرقاء 20 بالمئة من السكان وهو ما يناهز 600 ألف شخص يقبعون تحت نير العبودية”.

وأضاف “إطلاق مبادرات للتعليم من حيث المبدأ، أمر مهم، لكننا نعتقد أنه من واجب الدولة أن تقدم خدمة التعليم لأبناء الوطن، لأنه حق أساسي من حقوق الإنسان”، مستدركا “أما دور المناضلين فيجب أن يتوجه في الوقت الحالي إلى كشف حالات العبودية، والضغط على السلطات من أجل تطبيق قوانين مكافحة الرق، ورفع العراقيل أمام الترخيص للجمعيات الحقوقية، ووقف سجن المناضلين وحبسهم وتعذيبهم، لأن هذه القضايا تشكل أولوية”.

وبحسب تقرير لمنظمة “ووك فري” الأسترالية عن العبودية في العالم عام 2016، فإن من يقبعون تحت نظام الاسترقاق في موريتانيا يصل عددهم إلى 43 ألف شخص، ويورَّث وضع الرقيق من جيل إلى جيل.

لكن المحامي في منظمة “نجدة العبيد” (غير حكومية) وأكثر المحامين المباشرين لقضايا العبودية أمام القضاء الموريتاني، العيد محمدن مبارك، يأخذ قضية الأرقام في مجال العبودية بالكثير من الحذر. وأوضح أنها “تخضع لمعياري التهويل أو التحجيم، في ظل غياب أي دراسة موضوعية -حتى الآن- حول أعداد من يخضعون لنظام الاسترقاق”.

وفي ظل ضبابية أعداد من يخضعون لنظام “الاسترقاق” في موريتانيا، فإن المناضل الحقوقي ولد بلال الذي اعتزل السياسة عام 2009 يركز على أعداد نوع آخر، أعداد أولئك الذين سيحصنهم التعليم حتى لا يكونوا يومًا مّا ضحايا للعبودية.

21