هيئة كبار علماء الأزهر.. الفتوى بدل القانون

إقرار هيئة كبار العلماء بالأزهر، أمس الأحد، إمكانية وقوع الطلاق الشفوي دون الحاجة إلى توثيقه، وأنه أمر “مستقر عليه منذ عهد النبي” طرح أكثر من استفهام متصل بالبيان وتوقيته وأيضا بضرورة وجود مؤسسة دينية تراعي الحاجة إلى خطاب ديني مستنير يقطع مع الخطاب التقليدي الذي طالما انتقدته النخب الفكرية، وعبرت الرئاسة المصرية عن الحاجة الأكيدة إلى التجديد الديني.
الاثنين 2017/02/06
الأزهر يدير ظهره للانتظارات

القاهرة- قرار هيئة كبار العلماء بالأزهر، الذي صدر في بيان بعد إتمام الهيئة اجتماعا من سلسلة اجتماعات خصصت لبحث القضايا الاجتماعية المعاصرة، مثل خيبة أمل كبيرة، لم تقتصر على مسألة الطلاق أو القضايا الاجتماعية التي انعقدت هيئة كبار العلماء لبحثها ونقاشها، بل إن القرار انفتح على مسائل تتجاوز مسألة الطلاق، لتنفتح على إحالات أعمق تتعلق أولا بدور الأزهر وبالرهانات الملقاة على عاتقه في هذه الظرفية الموسومة بشيوع الأفكار والفتاوى المتشددة.

وتتعلق ثانيا بمستوى العلاقة مع الدولة في مصر وبالرهانات التي كانت تضعها النخب السياسية والفكرية على مؤسسة الأزهر، وتنفتح أخيرا على توقيت القرار وظرفيته. جدير بالتذكير أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي كان دعا خلال احتفالية انتظمت بوزارة الأوقاف في ديسمبر الماضي إلى ضرورة إنشاء خارطة طريق لصياغة وفهم الخطاب الديني خلال 5سنوات، واعتبر أن التجديد الديني ليس ترفا أو رفاهية.

تندرج دعوة الرئيس المصري الأخيرة في سياق دعواته الكثيرة إلى ضرورة العمل على خطاب ديني جديد يراعي ما تحتاجه المنطقة، ويساهم في محاصرة المنطلقات الفكرية والدينية التي تنهل منها التيارات الإرهابية. الدعوة الرسمية التي جاءت من أعلى هرم السلطة المصرية، تتفق مع أصوات كثيرة من النخب الفكرية المصرية أكدت أن مقاومة الإرهاب تبدأ أساسا من نزع أباطيله الفكرية وتفكيك أدواته الفقهية، وهنا يلعب الأزهر دورا محوريا في المسألة، لعراقته التاريخية ولأهميته الدينية في العالم الإسلامي.

قد تبدو الصلة بين الدعوات لخطاب ديني جديد مستنير، وبين قرار هيئة كبار العلماء في مصر بإمكانية الطلاق الشفوي، غير وثيقة، إلا أن الاطلاع على ما جرى في مصر، وفي الساحات العربية عموما، من نضالات من أجل الارتقاء بالعلاقات الاجتماعية، ومن أجل السعي إلى إقرار مدونة أسرية واجتماعية وقانونية مدنية، تخرج بهذه العلاقات من طورها التقليدي الشفوي العرفي إلى فضاءات مدنية قانونية، يكفي لتبين أن للمسالة الاجتماعية أهميتها الكبرى في قلب التجديد الديني المرتجى والمنتظر.

الأزهر تضمن مفاصل تؤكد إصراره على البقاء أسيرا لمقولات ماضوية لا تفيد المجتمع المصري، ولا تنسجم مع الانتظارات الكبرى الملقاة على عاتقه

المستوى الثاني لخطورة إقرار هيئة كبار العلماء بالأزهر لجواز الطلاق الشفوي، هو تزامنه مع استعداد أو تهيؤ البرلمان المصري لبحث قانون “الطلاق الشفوي” واستعداده للشروع في إصدار قوانين تواجه الظواهر الاجتماعية ومنها الطلاق بقوانين عادلة وناجزة تراعي الواقع وتعالج حالات التفكك الأسري التي تشق المجتمع المصري.

يضاف إلى ذلك أن الرئيس المصري كان قد أكد أيضا خلال احتفال بعيد الشرطة أواخر شهر يناير الماضي، ضرورة إصدار قوانين تنظم الطلاق الشفوي. ويمكن أن نتبين من خلال استعداد البرلمان المصري لإصدار تشريعات مدنية، ومن خلال تأكيد الرئيس المصري على أهمية تجاوز معضلة الطلاق الشفوي، أن مؤسسة الأزهر في بيانها الصادر الأحد، فضلت القبوع في زمن “الفتوى” بدل الانتقال إلى لحظة “القانون”، وبين القانون والفتوى مسافة فكرية لا يمكن قياسها اجتماعيا وسياسيا.

المثير أيضا في بيان الأزهر أنه تضمن مفاصل تؤكد إصراره على البقاء أسيرا لمقولات ماضوية لا تفيد المجتمع المصري، ولا تنسجم مع الانتظارات الكبرى الملقاة على عاتقه، فعبارات من قبيل “وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانَه وشروطَه، والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق، وهو ما استقرَّ عليه المسلمون منذ عهد النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وحتى يوم الناس هذا، دونَ اشتراط إشهاد أو توثيق” قد تثير سؤالا خطيرا يتعلق بإمكانية موافقته على كل ما “استقر عليه المسلمون منذ عهد النبي”.

فضلا عن مناداة هيئة كبار العلماء في البيان بأنها تهيب “بكل مسلم ومسلمة التزام الفتاوى الصادرة عن هيئة كبار العلماء، والاستمساك بما استقرَّت عليه الأمَّةُ؛ صونًا للأسرة من الانزلاق إلى العيش الحرام”، التي تعني الدعوة الصارمة إلى الالتزام بالفتوى بما تعنيه من نتائج اجتماعية وخيمة. قضية الطلاق الشفوي التي أقرها بيان الأزهر الأحد، مسألة اجتماعية خطيرة تجاهد العديد من القوى من أجل حلها بالوسائل القانونية المدنية العصرية، بدل القبوع بها في مرحلة الفتاوى الدينية، فضلا عما لشفوية الإجراء من تعد على الأسر وحقوق المرأة والطفولة.

يأتي كل ذلك في ظرف مصري وإقليمي وإسلامي موسوم بارتفاع منسوب التشدد الديني والفكري، الذي ينطلق من قراءات فقهية للنص الديني تأبى الاجتهاد والتجديد، وهي ظرفية انتظر فيها الجميع من مؤسسة الأزهر أن تنخرط في الجهد الفكري والحضاري المحارب للإرهاب والتشدد، لكن الأخيرة خيرت تفويت الفرصة، وفضلت الفتوى على القانون.

13