هيا بنا نفجُر

هؤلاء يرون الحضارة الغربية دون أبعادها وشمولها بحيث لا يرون نيوتن وغاوس وباخ وفولتير، بل يرون مجموعة أثقل لسانها الخمر منصرفة في آخر سهرة بعد أن انتهت من وضع أسس الفكر الغربي.
الثلاثاء 2018/06/26
"يا قمرا كالشعلة المنيرة… ما أنت إلا كرة صغيرة"

كنا صغارا. على الصغار أن يتعلموا شعرا وفق قاعدة تقول “رووا أولادكم الشعر”. لم نكن نتعلم شعرا فعلا، بل هو ضرب من النظم البسيط وضعه أساتذة كبار مثل كامل الكيلاني والهراوي. من هذه القصائد كنا مغرمين بأنشودة تقول “يا قمرا كالشعلة المنيرة… ما أنت إلا كرة صغيرة”. وبهذا تعلمنا منطق “ما هو إلا” القاتل الذي يفسد الرؤية للحياة ويخرب المفاهيم والمعاني.

عندما يكون الشيء “ليس سوى” أو “ما هو إلا” تنعدم الحياة وتموت الاحتمالات وتسود عقلية جدباء لا تستطيع أن ترى شيئين في آن واحد. بمعنى، ما الذي يضيرنا لو أن القمر كان كرة صغيرة وأيضا شعلة منيرة. لكنها عقلية الاستبداد في “ما هو إلا”. هذه الأنشودة عن القمر كانت محببة لدينا ففيها علوم وفيزياء ورجولة. هي من الأناشيد القليلة التي كانت بين أيدينا وما بها ذكر لقطة أو بطة أو حمامة، أجواؤها رجولية تدعو إلى الفخر.

ربما تقولون إن “ما هو إلا” أسلوب في التعبير لا أكثر وإنني أحمله فوق طاقته عمقا وفلسفة. لكن أساليب التعبير تنتج المفاهيم والمعاني وتصير عملية تربوية بحيث نتعلم الاستبداد من تعابير بسيطة. وهنا أذكر أن الرافعي، المفكر المستبد، خلص إلى أن الحضارة الغربية “ما هي إلا فجور وخلاعة”، وهو رأي أصوله نابتة في “ليس سوى”.

لاحظ أن هؤلاء يرون الحضارة الغربية دون أبعادها وشمولها بحيث لا يرون نيوتن وغاوس وباخ وفولتير، بل يرون مجموعة أثقل لسانها الخمر منصرفة في آخر سهرة بعد أن انتهت من وضع أسس الفكر الغربي.

ما كان أسهل اللحاق بالغرب والتفوق عليه بمجرد التجمهر واحتساء زجاجات النبيذ وإطلاق ضحكات فاجرة بعد منتصف الليل.

لا شك أن الرافعي قد وقع على سر الكون والحياة والتقدم وأودع هذا السر في جملة دسها في إحدى مخاطباته. وربما كان متأكدا من أن الإنسانية ستحتفظ بها سرا خبيئا، فلا أحد يقرأ الرافعي على كل حال.

والآن وقد كشفت لكم سر النجاح والقوة وكيفية الحصول عليهما عبر تقليد ما وصل إليه الغرب بالسفه والطيش، صار علينا أن نرمي جانبا كل النظريات والجداول والقراءات المرهقة ونستعيض عنها بالخلاعة وقرع الطبول وهز الأكتاف والأرداف للحصول على أفضل النتائج.

هنا أستميحكم المعذرة بأننا بصدد تطوير نظائر مشعة تعطينا طاقة لا تنضب، وهذا الاختراع يتطلب دفا وطبلا ومجموعة حسنة الصوت تغني “بالذي أسكر من عذب اللمى”، فمعذرة.

24