هيبة الصمت

السبت 2017/06/10

ماذا لو جربنا الصمت بمناسبة رمضان، خاصة وأن البعض منّا يظن أن أحدهم يصوّب مسدسا إلى رأسه ملزما إياه بالتعليق على كل شاردة وواردة. هذه فرصة ليعلم أن هذا الأمر من وحي خياله.. ويصمت؟

هل يجب أن يسمع الجميع كل مرة أوركسترا مديح مملة، لماذا لا يجرّب الاستمتاع بحرية الصمت ويفهم أن المديح الذي يكال للأشخاص المنبهرين بأنفسهم لا يطربهم أصلا.

إن أحاديث الكثيرين بيننا تافهة، وابتساماتهم مجاملة، واهتماماتهم مزيفة، ليبقى بذلك الصمت، لغة الأنيقين والموجوعين والأذكياء، أجمل.

قد يصمت بعضنا لأنه وصل به الشعور ما لا يمكنه شرح وجعه.. ولا يمكننا فهمه.

وقد يصمت آخرون عملا بالمثل الإنكليزي القائل “لا تصارع خنزيرا في الوحل فتتسخ أنت ويستمتع هو” لأن النقاشات مع متحجّري الفكر لن تجدي نفعا مهما حاولت.

يكون الصمت في مواضع أخرى أكثر الأجوبة استفزازا.. رغم أنه لا يمتلك أيّ حرف، فهيبته أجمل من ألف حديث.

وقد تغزّل أدباء وشعراء ومقاومون على مرّ التاريخ بلغة الصمت فقال فيها تشي غيفارا “الصمت فن عظيم من فنون الكلام”.

وقال نجيب محفوظ “الصمت هو المحاولة الأخيرة لإخبارهم بكل شيء”.

وقد تربينا على مثل قائل “إذا كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب”، إذ يروى أن ثلاثة أشخاص، وهم عالم دين وفيزيائي ومحام، حكم عليهم بالإعدام بالمقصلة.

وعند لحظة الإعدام تقدّم عالم الدين ووضع رأسه تحت المقصلة، وقال: الله هو من سينقذني نزلت المقصلة وعندما وصلت إلى رأس عالم الدين توقفت. فتعجّب النّاس، وقالوا: أطلقوا سراح عالم الدين فقد قال الله كلمته. ونجا عالم الدين.

وجاء دور المحامي فقال: أنا لا أعرف الله كعالم الدين، ولكن أعرف أكثر عن العدالة، العدالة هي التي ستنقذني.

ونزلت المقصلة، وعندما وصلت إلى رأس المحامي توقفت.. تعجّب النّاس كعادتهم، وصاحوا: أطلقوا سراح المحامي.

وأخيرا جاء دور الفيزيائي.. فسألوه: هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟ فقال: أنا لا أعرف الله كعالم الدين، ولا أعرف العدالة كالمحامي، ولكنّي أعرف أنّ هناك عقدة في الحبل تمنع المقصلة من النزول. نظروا، فوجدوا العقدة فعلا، أصلحوا العقدة وأنزلوا المقصلة على رأس الفيزيائي.. فقطع رأسه.

ما ضرّ هذا الفيزيائي لو احتفظ بعلمه لنفسه وكذب قائلا “العلم ما سينقذني”. وما ضرّه لو أبقى فمه مقفلا، حتى وإن كان يعرف الحقيقة ما دام محكوما عليه بالموت قطعا.

24