هيبة قطر العالمية تتآكل بسبب سياستها الخاطئة

الأربعاء 2014/03/19
تمثال يجسد نطحة زيدان لماتيراتزي، نصب على كورنيش الدوحة ثم إزالته

لندن- انتقد الصحفي الأميركي جيفري غولدبيرغ السياسة القطرية، واصفا في تقرير له قطر بأنها لاعب سيء الأداء. ودعا بعض صحفيي قطر المأجورين الذين استاؤوا من وصفه إلى الدفاع عن سجل قطر في مجال دعم الإرهابيين والمتطرفين.

عندما أعلنت قطر عن نيتها الترشّح لاستضافة كأس العالم لكرة القدم لسنة 2022، رفعت في وجهها البطاقة الحمراء، نظرا إلى الصورة السيئة التي ترسمها تقارير منظّمات الدفاع عن حقوق الإنسان، في ما يخصّ وضعية العمالة الأجنبية في هذه الدولة الخليجية.

لكن قطر، سعت بكل ما تملكه من ترسانة إعلامية وأموال نفطية، إلى الحصول على هذا التكليف العالمي، وتحقيق طموحها الرياضي الذي سيمنحها شهرة عالمية، تتوق إليها. وفازت قطر باستضافة كأس العالم لكرة القدم لسنة 2022، لكن الفرحة لم تدم طويلا بهذا “التتويج” حيث رافقه ملفات فساد ورشاوى، والاتهامات بانتهاك حقوق العمّال.

لاتزال الإمارة النفطية الصغيرة تعيش على وقع سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين، ولاتزال تجاهد من أجل تعويض خسارتها بعد سقوط الإخوان، حتى عاد مجدّدا الحديث عن كيفية حصول قطر على حقّ تنظيم كأس العالم لكرة القدم في 2022. الأمر الذي يعمّق من أزمة قطر ومشاكلها.

لقد أصبح ذكرُ قطر مصحوبا بتهم عديدة موجّهة إليها من كل صوب: تجاوزات وفساد في إسناد تنظيم كأس العالم 2022، “تجارة رقيق” أدّت إلى وفاة 44 عاملا مُضطهدا (من أصل نيباليّ) في مواقع بناء الملاعب المُخصّصة للحدث الرياضيّ، مُعاملات تنم عن استعباد فاضح.

وتحت عنوان “كم من الأرواح تكلف التجهيزات لكأس العالم؟”، كتب جيفري غولدبيرغ، في تحليل لوكالة “بولومبرغ”، قائلا: “اتصل بي مؤخرا عدد من الصحفيين المنتسبين إلى قناة “الجزيرة” للدفاع عن مُشغِّلهم، أي الحكومة القطرية (“الجزيرة” عبارة عن مشروع للأسرة المالكة القطرية يراد به التأثير على الأحداث في ما وراء حدود الدولة الصغيرة).

ففي مقالة نَشَرْتُها الأربعاء الماضي، قلت إن قطر لاعب سيء الأداء باستمرار، سواء في الخليج العربي أو خارجه. وقد استاء بعض صحفيي قطر المأجورين من هذا التعبير في حين أنهم لم يعكّروا مزاجهم بالدفاع عن سجل قطر في مجال دعم الإرهابيين والمتطرفين، أو سلوك الاستعباد الذي تبديه بينما تشيِّد البنى الأساسية الهائلة لدعم بطولة كأس العالم التي ستقام في عام 2022. وبدلا من ذلك، يجادل هؤلاء المراسلون بأن جيران قطر يقومون بما هو أسوأ. ولنفرض أن دولا خليجية أخرى تقترف أمورا فظيعة، فإن الإشارة إلى هذه الفظائع لا تبرئ ساحة قطر من فظائعها.

ولندع جانبا مؤقتا دعم قطر للمتطرفين العاملين على زعزعة الاستقرار (بمن فيهم المبشِّر بالقتل على شاشة الجزيرة، يوسف القرضاوي)، ولنركز على ممارسات قطر في مجال العمالة على اعتبار أن هذا الموضوع لم يأخذ الحيز الذي يستحقه في الغرب. وفي الواقع، لو لم يكن هناك عمل صحفي بطولي لصحيفة “الغارديان”، ربما لم نسمع كثيرا أصلا عن المعاملة المفزعة التي تعامل بها قطر العمال الأجانب”.

واستشهد الصحفي الأميركي في تحليله، بتقرير كانت قد نشرته صحيفة “الغارديان”، عن “ظروف العمل اللاإنسانية للعمال الذين يعملون في إنشاء البنية التحتية لمباريات كأس العالم لكرة القدم المزمع تنظيمها في قطر عام 2022".

جيفري غولدبيرغ: قطر لاعب سيء الأداء باستمرار سواء في الخليج العربي أو خارجه

ونقل غولدبيرغ عن “الغارديان”، أن هناك نحو 900 عامل من الهند ونيبال لقوا حتفهم منذ عام 2012. ووفقا للمعلومات المأخوذة من الاتحاد الدولي للنقابات العمالية، قد يلقى 4 آلاف شخص مصرعهم قبل أن تبدأ بطولة كأس العالم، إذا لم تُدخِل الحكومة القطرية تحسينات جوهرية على ظروف العمل بالنسبة إلى عمالتها الوافدة. وإلى الآن، اكتفت الحكومة -تحت الضغط المكثّف- باتخاذ لفتات شكلية على طريق إصلاح قوانين العمل.


ممارسات قاسية


يشير جيفري غولدبيرغ إلى أن “الموت ما هو إلا جزء من الصورة”، ففي سبتمبر الماضي، تحدّثت صحيفة “الغارديان”، استنادا إلى تحقيقات قامت بها، عن “عمّال يشتغلون قسرا تحت حرارة تبلغ 50 درجة مئوية، وعن أصحاب عمل يحتجزون رواتب العمّال عدة أشهر، ويحتفظون بجوازات سفرهم، بحيث يستحيل على هؤلاء العمّال المغادرة، بل ويُحرمون من مياه الشرب المجانية. ووجدت التحقيقات أن المرض يستشري بين العمال الذين يعيشون في أماكن مكتظة. وتحدثت تقارير عن انتشار الظروف غير الصحية".

كما ضمّن جيفري غولدبيرغ، في تحليله ما نقلته منظمة العفو الدولية بأن: “مدير وحدة الجراحة والعناية المركزة بمستشفى حمد أفاد في فبراير 2013 بأن الإصابات الناتجة عن السقوط من أماكن مرتفعة في مواقع العمل زادت على الألف إصابة سنويا، حيث نتج عن ذلك ارتفاع “معتبر” في معدل الوفيات، بينما يعاني ما نسبته 10 بالمئة من الإعاقة”.

ذات النتائج تضمّنها تقرير صدر منذ أيام قليلة عن الاتحاد الدولي للنقابات، يقول إن 38 عاملا يعملون في بناء ملعب الوكرة، أحد ملاعب مونديال قطر 2022 ، شوهدوا في ظروف غير إنسانية، من جنسيات مختلفة كالهند ونيبال وتايلاند.

ونشرت منظمات حقوق الإنسان تقارير تفصيلية عن الكثير من الممارسات القاسية التي يتعرض لها العمال الأجانب، بما في ذلك كفالة صاحب العمل، ما يعني أن العمال الذين يهاجرون من قرى صغيرة في بلدانهم يعيشون في قطر تحت رحمة صاحب العمل الذي يكفلهم.

ويعني ذلك أنهم لا يستطيعون تغيير وظائفهم بمجرد وصولهم إلى قطر، ما يمنح أصحاب العمل، وخصوصا أصحاب النوايا السيئة الذين يرفضون دفع الأجور الموعودة، سلطة هائلة على العاملين. وكما جاء في تقرير “الغارديان”: “جميع العمال تقريبا عليهم ديون كبيرة في نيبال استحقت عليهم لدفع أتعاب الوكالات التي أمَّنت لهم الوظائف.

ويقود الالتزام بسداد هذه الديون، مقترنا بعدم استلام الأجور ومصادرة الوثائق والعجز عن مغادرة مكان العمل، إلى ظهور العمل القسري-أو السخرة-، وهو شكل من أشكال العبودية الحديثة يُقدَّر أنها تمسّ نحو 21 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم. وقد أصبح هذا الاستغلال راسخا إلى درجة أن مايا كوماري شارما، سفيرة نيبال لدى قطر، وصفت الإمارة مؤخرا بأنها “سجن مفتوح”.

وتنفق قطر 200 مليار دولار من أجل استضافة الحدث الرياضي الأول في العالم. وحسب “الغارديان” فإن: “المشهد العام يصف إحدى أغنى الدول، وهي تستغل إحدى أفقر الدول، استعدادا للبطولة الرياضية الأكثر شعبية في العالم”.

وكانت صحيفة “ديلي تليغراف” البريطانية ذكرت في تقرير لها أن جاك وارنر نائب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) السابق يبدو أنه تلقى نحو2، 1 مليون دولار من شركة مملوكة للقطري محمد بن همام، العضو السابق باللجنة التنفيذية للفيفا، في 2011. وأشار التقرير إلى أن وارنر طلب الحصول على المبلغ في ديسمبر 2010، عن طريق إحدى شركاته مقابل “أعمال تم إنجازها في ما بين عامي 2005 و2010"، أي بعد أسبوعين من تصويت اللجنة التنفيذية للفيفا الذي فازت قطر عن طريقه بحق استضافة مونديال 2022. وذكر التقرير أن مليون دولار أخرى دفعت لاثنين من أبناء وارنر وموظف لديه، مضيفا أن وارنر وأسرته رفضا التعليق على هذه الاتهامات.


عودة الفرعون


إن هيبة الأسرة الحاكمة في قطر وثيقة الارتباط باستضافة بطولة خالية من الأخطاء التقنية ولكنها مفلسة أخلاقيا. والأمر نفسه ينطبق على المهندسين المعماريين وشركات التشييد التي تسابقت على قطر طلبا للأرباح الهائلة. وقد سألت “الغارديان” مؤخرا المهندسة المعمارية المرموقة زَها حديد، التي تتولى تصميم ملعب مثير للجدل من الناحية الجمالية، عن رأيها بشأن الوتيرة المفزعة للوفيات بين العمال المهاجرين في المشروعات المرتبطة بكأس العالم. فقالت: “لا علاقة لي بالعمال. أعتقد أن تلك مسألة – إذا كانت ثمة مشكلة – يجب على الحكومة أن تُعنى بها”. ولدى سؤالها عما إذا كانت تلك الوفيات تشغلها، قالت: “نعم، لكنني مهتمة أكثر بالوفيات في العراق أيضاً، فماذا أفعل بذلك الشأن؟”

وبعبارة أخرى، الوضع في قطر ممكن الدفاع عنه إلى حد ما من الناحية الأخلاقية لأن الأمور السيئة تحدث في أماكن أخرى من العالم أيضا، وفق غولدبيرغ، الذي قال في نهاية تحليله: “إن إحدى أكثر القصص غرابة في هذا العصر تحدث على مرأى ومسمع صحفيي الجزيرة (الذين تناول بعضهم مسألة أحوال العمالة في قطر، لكن بقدر مفرط من التحفظ)، أي إنها عودة الفرعون، في شخص أمير قطر”.

7