هيبرة المشاهد

المشاهدة عادة حيوية ونشاط ممتع.
الجمعة 2021/05/07
خلي بالك من زيزي

في رمضان الحالي، وبعد قطيعة طويلة مع الدراما العربية، هناك الكثير مما يقال عن المسافة التي قطعها فن التمثيل والإخراج والكتابة للشاشة خلال الأعوام الماضية. لكن هذا ليس كل شيء. الجوهر في “الهيبرة”.

“هيبرة” اشتقاق مصري فهلوي كالعادة، من بادئة “هايبر” اليونانية وتعني فائقا أو مفرطا وأساسها من الغطرسة والوقاحة. المهم أنها أصبحت في العربية فعلا وصفة، فصرت تسمعهم يقولون مثلا “المأكولات السكرية تُهيبرني”، أي تزيد من نشاطي وحيويتي.

في سياق التأثير علينا يمكنك أن تشاهد الأعمال التلفزيونية التي تعلّمت الكثير من سوق “نتفليكس” ومنصات العرض الأخرى، واتجهت إلى التخفيف من المطمطة في الحدث والحكايات، احتراما لعقول الناس، لكن التخلف يبقى يحتفظ بحصته في درامانا، فلا بد من إلقاء محاضرات توجيهية على مئات الملايين من العرب في البيوت.

وبعد أن ينتهي الممثلون من تثقيفنا، يعودون إلى الهيبرة، فتجد المَشاهد التي لم تكن تتجرأ عليها أي شاشة عربية من قبل، ومع مناخ الحرب على التطرّف، وإتاحة المجال للحديث بحرية عن التشدّد الديني وعرض نقائضه، يتكسّر دون أن يدري المنتجون ذلك المثلث الشهير “الجنس والدين والسلطة”. نعم السلطة وليس السياسة وحسب. أي سلطة وأي قوة قاهرة تريد أن تمارس ضغوطها على الأجيال.

في دراما هذا العام، ستسمع لغة مشفّرة سجعية بالذكاء الشعبي ونهفاته وقفشاته، وسترى الجدعنة الحقيقية ممزوجة بالدخان الأزرق والفروسية والبلطجة. ومع ذلك كله في أعمال أخرى، ستريك المسلسلات عمليات سطو واقتحام واغتصابات وانحرافات وغمز ولمز، حتى تتهيبر على آخرك.

وإن كان ثمة من يستحق هذا العام جائزة ذهبية فهو مسلسل “خلّي بالك من زيزي” لأنه أخيرا ووسط كل تلك الهيبرة يظهر عمل كوميدي بسيط لكنه عميق جدا يناقش تأثير المعاملة العنيفة على الأطفال وكيف سيصبحون إن كبروا معنّفين ومقموعين متنمّرا عليهم، من خلال شخصية زينب التي لعبت دورها الممثلة المقتدرة أمينة خليل.

مع أن هذا العمل هو أكثر من يستعمل الهيبرة، فهو يتحدث عن ظاهرة الطفل فائق النشاط المصاب بمتلازمة “أيه.دي.أتش.دي”. لتكتشف عزيزي القارئ أنك كنت في طفولتك مثل زيزي والطفلة تيتو مصابا بالمرض ذاته، وأن أبناء وبنات جيرانك هكذا أيضا وأصحابك في المدرسة. والمبرئ للذمة والضمير هنا، أن السلسلة طويلة، تمتد رجوعا إلى الآباء والأمهات والأجداد والجدات، فلا أحد متهم ولا أحد بريء.

لا شك أن المشاهدة عادة حيوية ونشاط ممتع نستعيده بعد أكثر من عشر سنين من الهيبرة عاشها المشاهد العربي عبر قنوات إخبارية مهيبرة تنقل أخبار شعوب مهيبرة تعاني من حكومات مهيبرة. حتى هيبرونا جميعا.

24