هيب هوب في بيتي

كانت أعياد ميلادنا متميزة بالنقاوة والمحبة التي تجمع العائلة، كنا نستمتع بالرقص الشعبي التونسي أو المغربي أو الشرقي الذي قمنا بتقليده ونحن سعداء، حتى الدبكة التي عرفناها منذ الصغر، وكنا نعتبرها رقصة الأقوياء مارسناها.
الخميس 2019/12/26
رقصة تستهوي الجيل الصاخب

كان يوما استثنائيا أردته أن يكون، فهو يوم عيد ميلاد ابني الذي بلغ الثامنة عشرة من عمره، فهذا العمر يحمل الكثير من الآمال وأحلام الشباب الطموح.

أعددت كل ما يلزم لإنجاح الحفل الذي سيكون شبابيّا بامتياز، فابني اشترط أن يدعو أصدقاءه ليحتفلوا معه.

في المساء، حضر الجميع وبدأت الحفلة والإيقاعات الموسيقية تتوالى، أنواع عديدة فيها الطربي والشرقي والغربي، تراقص الجميع على النغمات، كنت أراقبهم وأستحضر ذكريات شبابي في سنهم.

لكن ما راعني في هذا الاحتفال، ما قام به أغلب الحاضرين من الشباب، رقص غريب لا أعرفه، ما هذا؟ إنهم يتمايلون قليلا ثم يرتمون على الأرض كمريض الصرع وفجأة يقفزون كأن شيئا رماهم بقوة ليعودوا سريعا نحو الأرض، مرتمين بكل قوتهم.

موسيقى صاخبة صراخ وضحك وتهريج، خرجت من غرفتي أتأمل المشهد، كان البعض منهم يقهقه والآخرون يصفقون فرحا بما رأوا، مستمتعين بهذا الجو الشبابي الغريب على عهدنا.

أهكذا تحتفل هذه الأجيال بعيد ميلادها؟ كنا سابقا نجتمع وسط العائلة نتشارك الحديث ونشاهد التلفاز ثم ندور حول الطاولة لإطفاء الشمع مع بعض النغمات المألوفة بعدها نعود إلى قاعة الجلوس لتأتي أمي بالأطباق وتوزع علينا المرطبات والمشروبات.

كانت أعياد ميلادنا متميزة بالنقاوة والمحبة التي تجمع العائلة، حتى رقصنا، كنا نستمتع بالرقص الشعبي التونسي أو المغربي أو الشرقي الذي قمنا بتقليده ونحن سعداء، حتى الدبكة التي عرفناها منذ الصغر ورسخت في أذهاننا، وكنا نعتبرها رقصة الأقوياء مارسناها.

نغمات موسيقى عربية تسري إلى الآذان ينطلق معها الجسد في التمايل يمنة ويسرة بمجرد سماعها سمفونية أصيلة يرقص معها الحاضرون بمهارة وإتقان دون ابتذال.

انتهى عيد الميلاد، غادر الجميع، سألت ابني ما نوع الرقص الذي رقصتموه؟ أجاب وهو يضحك إنه الهيب هوب.

ذهبت إلى غرفة الجلوس وبقيت أراقب ما انتهى إليه الأمر بعد مساء صاخب، فتحت آلة التسجيل التي كانوا يستمعون إليها.. لم لا؟

أفقت في الغد، وكلي آلام في جسدي، سمعت صوتا يقول إنها بعض الكدمات الخفيفة بسبب السقوط القوي، لكنها تحتاج إلى الراحة.

هذا بسبب رقصة الهيب هوب، مالي ومالها، لماذا لم أكتف بـ”الفزاني” التونسي. وتذكرت قول الشيخ جلال الدين الرومي أحد أكبر رجال المتصوفة في التاريخ الإسلامي “ارقص وإن لم تزل جراحك مفتوحة.. ارقص وأنتَ حـرٌّ تماما”.

21