هيثم الحريري سياسي مصري شاب يثير قلق الجميع

الأحد 2017/04/09
نائب مشاغب يسرب أسرار النظام إلى الشارع

القاهرة - لا يكف النائب الشاب هيثم الحريري منذ انتخابه عن إثارة الضوضاء والصخب والشغب تحت قبة البرلمان المصري، ولا يتوانى عن وصف رئيس المجلس بأنه لا يحترم لا اللائحة ولا النواب أنفسهم، كما لم يتوقف عن رفض مختلف القوانين التي مرّرتها الحكومة للبرلمان ليقرها، ويقول المقربون منه إنه يأبى إلا أن يسير على هدي سيرة أبيه البرلماني المعارض الشهير الراحل، لذلك كان من الطبيعي أن يحيلوه إلى لجنة القيم بالمجلس ليلقى مصيره.

منذ عشرات السنين والتوريث في مصر أحد سمات الوضع الاجتماعي والتكوين الطبقي، وهو وضع مازال قائمًا حتى الآن ولا يتغير بتغير القوانين ولا الدساتير ولا الأنظمة السياسية، وهو يعني أن يرث الابن مهنة أبيه سواء في الشرطة أو القضاء أو الجيش وفي البنوك والبزنس، إلا أن الجديد أن تكون المعارضة السياسية هي الأخرى بالتوريث.

من بين هؤلاء الذين ورثوا المعارضة عن آبائهم وأصبحوا يمثلون غصة في حلق الحكومة ومجلس النواب النائب البرلماني الشاب هيثم الحريري نجل السياسي اليساري الراحل أبوالعز الحريري الذي كان أحد أبرز المعارضين لعدد من الأنظمة التي تعاقبت على مصر ابتداء من الرئيس الراحل أنور السادات مرورًا بحسني مبارك والمجلس العسكري ثم نظام حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين.

ورث هيثم عن والده شجاعة الصمود أمام الأمواج العاتية التي تتعمّد النيل منه لإثنائه عن مواقفه المعارضة تحت قبة البرلمان المصري، حتى أصبح أحد أبرز الوجوه غير المرغوب فيها، وبسبب مشاكساته وإصراره على مواقفه دون تراجع وتحديه لرئيس مجلس النواب الحالي علي عبدالعال والهجوم عليه مرارًا بأنه يخالف اللائحة والدستور تقررت إحالته مؤخرا إلى لجنة القيم في البرلمان لتصدر توصيتها بشأن العقوبة الموقعة عليه.

كأنّ أباه لم يمت، فكما كان أبوالعز يتحدى الحكومات ويهاجم السياسات بأشرس العبارات من تحت قبة البرلمان غير عابئ بما يحاك ضده من الأغلبية البرلمانية المؤيدة للحكومة وقت أن كان عضوًا في البرلمان لسنوات طويلة ها هو نجله يفعل الشيء نفسه حاليًا في تحدٍ واضح لما يواجهه من معارك ضارية مع ائتلاف دعم مصر صاحب الأغلبية والذي يعتبر نفسه ظهيرًا سياسيًا للحكومة.

ولأنه يؤمن بأن تاريخ والده النضالي طوال مسيرته السياسية والحزبية والنيابية كان سببًا رئيسًا في وصوله إلى البرلمان حاليًا ونجاحه في الانتخابات عن مقعد دائرة كرموز بمحافظة الإسكندرية، (شمال القاهرة) فإنه لا يريد أن يخسر هذا التاريخ أو يعطي الفرصة لأحد بأن يطعن فيه لمجرد أن يلتزم الصمت تحت قبة البرلمان، وهكذا آثر الابن أن يستكمل مسيرة الأب.

ولمَ لا، وهذا الابن ولد في أسرة بسيطة بمحافظة الإسكندرية عاشت مرارة البحث عن حياة كريمة وسط ظروف معيشية صعبة، فما كان من الأب إلا أن يعادي هذا الوضع وينخرط مبكّرًا في الحياة السياسية وينضم للمعارضين لنظام أنور السادات فيدخل إلى حزب التجمع اليساري ليصبح نائبًا برلمانيًا عام 1976 وهو لا يزال في سن الـ32.

شخصية استثنائية

صور الماضي

بالتأكيد لا يغيب عن ذاكرة هيثم الحريري أن والده اعتقل عام 1981 بسبب مواقفه السياسية المعارضة لنظام السادات بعد قيادته احتجاجات عمالية واسعة وكان أحد النواب الذين دفعوا النظام آنذاك إلى حل البرلمان بسبب موقفهم الشرس تجاه اتفاقية السلام مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر عام 1973.

عودة الأب إلى الحياة السياسية مجددًا جاءت عقب فترة انقطاع طويلة عن العمل البرلماني ليفوز بعضوية المجلس عام 2000 ويفتح نيرانه على مختلف رموز الحزب الوطني الحاكم في عهد مبارك، وقدم استجوابات لأبرز المسؤولين تتعلق بالفساد والاحتكار لدرجة بلغت حد فضحه لتعاون حزب التجمع نفسه الذي ينتمي إليه مع نظام مبارك واستقال منه تحت مبرر أن الأمن هو من يدير الحزب.

بعد ثورة 25 يناير 2011 وتولّي المجلس العسكري مسؤولية الحكم في البلاد، وقت أن كانت كل الأحزاب تدين بالولاء للمشير حسين طنطاوي وزير الدفاع ورئيس المجلس، وقف أبوالعز الحريري تحت قبة برلمان الإخوان بعد فوزه بالعضوية وقال إن طنطاوي مكانه السجن مع حسني مبارك بعدما تسبب في إفساد الحياة السياسية بعد الثورة، كما عارض الإخوان بشراسة وطالب بحل المجلس لعدم دستوريته متهمًا الجماعة بأنها سرقت مصر.

لذلك لا تغيب عن الحريري الابن مسيرة والده النضالية والسمعة التي تمتع بها في الأوساط السياسية والحزبية حتى بعد وفاته، وهو ما يدفعه إلى السعي لأن يكون خليفته كنائب مشاغب ومعارض شرس لا يخشى الدخول في أيّ صراع مع القوى المناصرة للنظام أو الحكومة سواء كانت برلمانية أو إعلامية.

المقعد ذاته

أراد الابن أن تكون بدايته كبداية أبيه الذي دخل البرلمان وعمره 32 عامًا، فكان أصغر نائب عرفه مجلس النواب المصري منذ تأسيسه. ما جعل الابن يغامر فيترشح للانتخابات وعمره لم يتجاوز الـ39 عامًا، وينجح ليصبح أصغر نائب في البرلمان الحالي وكأنه يبحث عن تكرار مسيرة والده لدرجة أنه اختار نفس المقعد الذي كان يجلس عليه أبوه وقت أن كان في البرلمان ليجلس عليه هو في المجلس.

تلقى هيثم الحريري تعليمه في المدارس الحكومية والتحق بكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية وتخرج فيها عام 1999، وحصل على ماجستير هندسة الاتصالات ثم عمل من خلال شهادته بإحدى شركات البترول وأصبح العائل لأسرته بعد وفاة والده في ديسمبر من عام 2014.

آمن الشاب بأفكار محمد البرادعي (نائب رئيس الجمهورية السابق) وقت أن رشحته البعض من القوى السياسية لرئاسة الجمهورية بعد ثورة يناير، وانضم عضوًا للجمعية الوطنية للتغيير وعمل منسقًا لحملته في الإسكندرية وحصل على عضوية حزب الدستور الذي أسسه البرادعي لكنه ما لبث أن استقال منه سريعًا عقب اتخاذ الحزب قرارًا بعدم خوض الانتخابات البرلمانية.

الناقمون على الأوضاع السياسية والاقتصادية والحكومة بشكل عام ينظرون إلى الحريري باعتباره "صوت الشارع" في البرلمان، ومن يتحدث بصدق عن هموم الناس ومشاكلهم وأحد الآمال التي يعولون عليها لتغيير الوضع الحالي في البلاد

نجح الحريري الصغير في الانتخابات مستقلًا وانضم إلى تكتل “25-30” البرلماني المعروف بأنه ائتلاف معارض داخل المجلس ويعتبر أحد أبرز من يقودون المعارضة البرلمانية حاليًا، فلم يشهد مجلس النواب مناقشة لتشريع قانونيّ أو اقتراح حكومي إلا وناله بالنقد اللاذع والهجوم الشرس سواء داخل المجلس أو عبر وسائل الإعلام أو حتى من خلال حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.

استطاع أن يصنع لنفسه شخصية استثنائية تاركًا بصمته المعارضة مبكرًا بعدما اعترض بشدة على تمرير 200 قانون في أسبوعين فقط، وكانت هذه القوانين قد تم إقرارها بقرارات رئاسية في الفترة التي سبقت انتخاب المجلس واشترط الدستور الجديد ضرورة إقرار برلمان الشعب لها.

وبعدها توالي رفضه لمختلف القوانين المقدمة من الحكومة وتقدّمه باستجوابات لمعظم وزرائها ومثل ما بدأ هو المشاكسة مبكرًا بدأ التضييق عليه مبكرًا أيضًا، بعدم إعطائه الكلمة للتحدث وإبداء رأيه أو التشويش عليه أثناء كلامه.

مصير وشيك

كان موقفه الأشرس من نوعه تحت قبة البرلمان أنه هاجم النظام والحكومة والبرلمان في قضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وقال إنه “من العار أن نتنازل عن الأرض. فهي العِرض”، وبلغ الأمر حد طباعته منشورات وزّعها على النواب وأبناء دائرته مكتوبًا عليها “تيران وصنافير مصرية” وقاد حملة مع زملائه المعارضين لجمع توقيعات لرفض التنازل عن الجزيرتين.

مع رفض البرلمان لإذاعة الجلسات تحوّل هيثم الحريري إلى ما يشبه المرصد الذي يحكي بشكل شبه يومي كواليس ما يجري داخل المجلس بعيدًا عن أعين الناس، وكثيرًا ما يتحدث في أمور وقضايا تحرج البرلمان أمام الرأي العام وتشوه صورته، وفي كل مرة كان يتلقّى تحذيرات شفهية من رئيس المجلس بخصوص هذا الأمر، وكان لا يبالي حتى أصبح ضيفًا دائمًا على مختلف البرامج الحوارية التلفزيونية للتحدث معارضًا كل النواب المؤيدين.

لذلك تتجه الكثير من آراء المراقبين لأداء هيثم في البرلمان ونظرة نواب الأغلبية تجاهه إلى أن التخلص منه وإقصاءه بشكل نهائي بات وشيكًا، وقد يلقى مصير زميله السابق محمد أنور السادات الذي أسقطت عضويته في مارس الماضي بعدما وصلت معارضته إلى حد غير معقول وتسبب في إحراج المجلس والحكومة أكثر من مرة أمام الرأي العام.

وقد يكون هو نفسه لديه نفس الشعور خاصة وأنه تحدث في أكثر من لقاء صحافي بأن “إقصاءه عن البرلمان قد يأتي في أيّ لحظة”، مضيفًا “المجلس بالنسبة إليّ وسيلة للتعبير عن الرأي، وليس غاية، بمعنى أنني لا أسعى للكرسي ولا للتمسك به، وإن كان استمراري في المجلس سيعني أن أظل صامتًا ولا أعبّر عن الشعب وحقوقه، فأنا لا أريده وسيكون شرفًا لي أن أفصل من المجلس”.

مشكلة هيثم الحريري أنه يتخذ من والده قدوة في كل شيء دون اعتبار لتغير الأوضاع في مصر وطريقة إدارة الأمور والتعامل مع المعارضين في الماضي والحاضر، فالحكومات السابقة كان معروفًا عنها الاستفادة من وجود شخصيات معارضة لإحداث توازن سياسي أمام المجتمع المحلي والدولي، وكان يُسمح بقدر من المعارضة حتى أن الأحزاب كانت تتمتع بشخصية ونفوذ وشعبية.

غير أن هذا الوضع اختلف حاليًا ولم تعد دوائر عديدة شريكة في صنع القرار تحتمله أو تتقبّله، وبات التخلص من الأصوات المعارضة أمرًا متكررًا وسهلًا سواء كانوا سياسيين أو إعلاميين أو برلمانيين بحجة أن المرحلة الراهنة لا تحتمل هذا الجدل أو التنافر لأن مصر الآن في مرحلة بناء نفسها من جديد، بل وأحيانًا ما تتهم المعارضة بأنها تؤيد الإخوان إلا أن هيثم لا يعنيه كل ذلك ولا يعيره اهتمامًا.

الكثير من آراء المراقبين لأداء هيثم في البرلمان ونظرة نواب الأغلبية تجاهه ترى أن التخلص منه وإقصاءه بشكل نهائي بات وشيكًا، وقد يلقى مصير زميله السابق محمد أنور السادات الذي أسقطت عضويته في مارس الماضي بعدما وصلت معارضته إلى حد غير معقول وتسبب في إحراج المجلس والحكومة أكثر من مرة أمام الرأي العام

ما يساعد على ترسيخ الاتهامات الموجهة للحريري تحديدًا، أنه بدأ ينشط بكثرة من خلال إطلالاته على فضائيات محسوبة على جماعة الإخوان ويداوم على انتقاد البرلمان ورئيسه ويكشف كواليس إدارة الجلسات وطريقة تمرير القوانين لصالح الحكومة، وتحدث أن البرلمان مجرد “ديكور” للحكومة تلجأ إليه عند الحاجة وأنه أصبح بلا أنياب ولا يستطيع ممارسة دوره ويسير وفق التعليمات.

ولا يدرك الحريري كل هذه الاعتبارات، وربما يرجع ذلك إلى أنه مازال مبتدئًا في لعبة السياسة، بعكس والده الذي انخرط في العمل السياسي داخل حزب التجمع وقت أن كان أحد أبرز الأحزاب المصرية منذ أن كان عمره 21 عامًا، ودخل البرلمان بعد ذلك بـ11 عامًا، أي أنه فهم السياسة ودهاليزها وآلية التعامل من خلالها مع الحكومات وطريقة ممارسة الحق السياسي والتشريعي والرقابي، وعرف متى يتحدث ومتى يصمت لتجنب الأمواج العاتية ضده.

لكن الابن ليس كالأب حيث توحي التركيبة الشخصية لهيثم بأنه انفعالي في معارضته وطريقة نقده للأوضاع ما يجعله صيدًا سهلًا لمناصري الحكومة تحت قبة البرلمان، لكنه يبرر ذلك بأنّ ما يحدث داخل البرلمان من إقصاء لكل الأصوات المعارضة وعدم منحهم الفرصة للتحدث أو إبداء رأيهم يضطره للخروج عن شعوره وهدوئه المعتادين.

أمواج عاتية

ما يعزز الخطر على المستقبل السياسي للمشاغب الشاب، كما يسميه البعض، أنه لا يتمتع بظهير برلماني قوي يدافع عنه إذا ما تعرّض للهجوم عليه أو كانت هناك نية لإقصائه خارج المجلس خاصة وأن عدد نواب الائتلاف المعارض الذي ينتمي إليه لا يتجاوز الـ65 عضوًا، في حين أن نواب الأغلبية 380، ومع ذلك لا يشعر بالخطر ويصرّ على أن يناكف الجميع سواء كانت مؤسسات أمنية أو خدمية وحتى البرلمان نفسه.

في مقابل هذا ينظر الناقمون على الأوضاع السياسية والاقتصادية والحكومة بشكل عام إليه باعتباره “صوت الشارع” في البرلمان ومن يتحدث بصدق عن هموم الناس ومشاكلهم وأحد الآمال التي يعولون عليها لتغيير الوضع الحالي في البلاد والتصدي لإخفاقات الحكومة في الكثير من الملفات، لا سيما تلك التي ترتبط بالخدمية والمعيشية، لكن الواقع أثبت أن هذا المشاكس، وإن كان مُعبّرًا عن آراء الناس، إلا أنه لا يملك أداة التغيير.

يقول عن نفسه “موقفي واضح وصريح في الانحياز للفقراء والوطن. ولا يمكن أن أصمت وأنا أرى الفقراء والمهمّشين هم التكئة التي تستند عليها الحكومة لتحقيق مآربها. فالمواطن البسيط هو من أتحمّل أمانته. ولهذا أنتقد وأعارض وأحارب. ولهذا هم يحاربونني. لكني لن أحيد عن هذا المبدأ مهما كلفني ذلك من خسائر. فالشعب هو القائد وهو من يمنح ويمنع”.

8